كما اعتدتُ، في كل مقام يرحل فيه أحد الأحباب، أو أحد أركان البيت، أن أسطّر هنا كلمات عن الأثر الذي اعتدت أن أكون من خلاله حاضراً بوجداني، ومشاعري، وقلبي، وحاضراً بسلسلة من الذكريات الجميلة، وحاضراً بدروس وعظات ورسائل ربانية أحيت في نفسي الكثير من المشاعر الغائبة، وأيقظت رقاد أحاسيس غفلت عن حقائق الحياة الساطعة. هكذا هي الحياة؛ ما زلنا نتعلم منها الكثير، وما زالت الأنفاس تتلذذ بأعمال الخير، حتى تستعد للحظات الرحيل، لتلقى بارئها على إيمان راسخ، وقرب من الله تعالى، وأثر متواصل يمتد عبر الأزمان.

بالأمس، رحلت من دنيانا الغالية أم هاني، والدتي الثانية، التي تركت إرثاً جميلاً من الأخلاق والصفات المحمودة، وتركت طيبة قلب من طينة «جيل الطيبين». فهي امتداد لطيبة زوجها، «بوهاني» عبدالله إبراهيم العبيدلي، رحمه الله، الذي رسم هو الآخر صوراً مضيئة في نفوس كل من حضر في حياته، هناك في مساحات حالة بوماهر، وفي مساحات نادي الحالة.

أهدانا رحمه الله ورقة صغيرة، كتب فيها أبيات الإمام الشافعي: «ثمانيةٌ لا بد منها على الفتى ولا بد أن تجري عليه الثمانية، سرورٌ وحزنٌ واجتماعٌ وفرقةٌ، وعسرٌ ويسرٌ ثم سقمٌ وعافية». وأكمل في ورقته البيت الشعري لأبي العلاء المعري: «بهنّ انقضت أعمار أولاد آدم». احتفظنا بها، وما زلنا نستذكر معانيها، التي تحمل دلالات عميقة على رسائل الحياة وأحوالها؛ تلك الحياة التي تتغير وتتبدل، وتتوزع فيها الأرزاق والأقدار. ففي كل بيت حكاية، وعند كل امرئ صور متعددة من صور العيش؛ سرور وحزن، واجتماع وفرقة، وسقم وعافية، وعسر يعقبه يسر، لقوله تعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا».

رحلت الغالية «أم هاني» لتترك هي الأخرى مساحة لا يمكن ملء مكانها، كما رحل زوجها وترك طيبته، ولكن لم يستطع أحد أن يملأ مكانه. وكما رحل والدي الحبيب «بونبيل»، ووالدتي الحبيبة «أم نبيل»، اللذان أسسا بدورهما لبنيان عائلة كريمة ما زال أثرها باقياً، وعنوانها «براً بوالديّ»، ليلتقي الجميع في دوحة حبهما وبرهما، أبداً ما حيينا.

حكاية أم هاني، رحمها الله، حكاية كل بيت، ولربما يحكي كل بيت فصولاً ممن شيدوا صرح العائلة، ولكن لكل من عاش حكاية أهله قصة متجددة، ينظر إليها من زواياه الخاصة، حتى يكتب سطورها للأجيال، ويحيي في نفسه موات شواهد مؤثرة تعينه على العمل للآخرة.أم هاني كانت تعتز بضيوفها، وتعتز بأبنائها، وتعتز بي شخصياً. وكلما زرتها، كانت تعدّ هذه الزيارة «حفلة خاصة» وإكراماً خاصاً. برحيلها الموجع، الذي نؤمن من خلاله بأن الرحيل إنما هو صورة محتومة لكل البشر، أيقنا أن «الفقد» ما هو إلا صورة من صور الصبر والمصابرة، وقوّة اليقين والإيمان بالقضاء والقدر، والتعامل مع المصائب والابتلاءات، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى». وتعلّمنا حمد المولى الكريم على كل النعم التي بين أيدينا، ومن أهمها العافية. فعندما مرضت، ووضعت عليها الأجهزة، بدت وكأنها لحظات ما قبل الوداع، وكل من يمر بهذا الموقف يزهد في كل ما لديه من هوامش الحياة، ويحمد الله عز وجل على نعمٍ أعطاه إياها وحُرم منها البعض. وبرحيل أم العائلة، تتجدد معاني المحبة والألفة التي يجب أن تجمع الأبناء وهم يسيرون في مسيرة الحياة، براً ومحبةً للوالدين؛ فإنما كل لقاء امتداد وتواصل وبرّ بهما. صحيح أن الجلسة قد تفتقد بعض عناصر البركة، ولكن إخلاص الأعمال، وبركتهما، يمتدان إلى البركة في أبناء العائلة، الذين عاشوا معهما في «البيت العود».

وعندما وُوريت أم هاني التراب، جلست أتأمل عند قبرها، القريب من قبر زوجها وقبر والديّ، رحمهم الله جميعاً. أتأمل الحياة بكل معانيها وكل صورها، وأتأمل ذكريات مضت منذ السنوات الأولى التي دخلت فيها بيت هذه العائلة الكريمة، التي أكرمتني بكل معاني الكرم، وكنت ابناً للوالدين، رحمهما الله، منذ الأيام الأولى، فلم أحس بالغربة في بيت نشأ على الخير والبركة والكرم.

جلست أتأمل أحوال حياتنا التي تمضي سريعاً، ويمضي قطار الأعمار إلى مصير واحد، «الموت»، لا محالة. والفائز هو من عرف كيف يستثمر هذا المسير في قطف ثمار الخير، وفي ترك الأثر في كل محطة يستريح فيها؛ فإنما الحياة محطة عبور واستراحة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها». تأملت رحلة مضت، ورحلة قائمة، ورحلة ستأتي، فأيقنت أنه لا مفر من الله تعالى إلا إليه، فكل غفلة وتيه فمردّهما الخسران. فالرحلة يجب أن تُبنى على الخير، والخير قوامه الأخلاق والأعمال الصالحة، وشمولية الحياة من أجل الله تعالى وحده.

أما المحبة التي زرعتها أم هاني في النفوس، فهي الأخرى درس جميل؛ فقد جمعت القلوب في أيام التعزية، وسارع المعارف والأحباب ليقفوا بالقرب من أحبتهم، حباً ووفاءً. وحتى أولئك الذين منعتهم الظروف، لم يبخلوا برسالة أو اتصال؛ فهو التواصل والوفاء الذي يجب أن يكون بين المحبين عندما يرحل من يرحل من أحبابهم. يسعد قلبك، وتتحرر من الحزن والكدر، كلما مسح على قلبك أولئك المحبون، وكلما تذكرت ما أعدّه المولى الكريم لأولئك الذين عاشوا حياتهم لله تعالى، وتركوا إرثاً جميلاً من الطيبة والخلق.

في مرحلة ما من أعمارنا، تتذكر أن هناك أجيالاً كاملة رحلت، كما رحل من قبلهم من الأقوام، وأضحت سيرهم بائنة لكل الأجيال. كما رحل والداي، ووالدا زوجتي، ورحل الأجداد والأخوال، وأغلب الأعمام، فأضحت الأعمار تتسارع لأجيال أخرى تكبر، وأجيال أخرى تواصل مسيرة من سبقهم في إعمار الحياة بالخير. لذا، فلنستمتع بصحبة أهلنا وأحبابنا، ولنغتنم وجودهم بيننا، ونتواصل معهم، قبل أن يأتي يوم لا يبقى لنا منهم إلا الذكرى والدعاء. هذا ما تعلّمناه من رحيل الغالية «أم هاني»، التي عاشت هادئة، بعيدة عن الصخب، وعاشت تحب الحياة بمعانيها الجميلة. رحمها الله بواسع رحمتها، وغفر لها، وبارك في أهلها وأبنائها، وألهمهم الصبر والسلوان.

ومضة أمل

قد تؤلمك صور الرحيل.. ولكن تزيّن حياتك صور «الفردوس الأعلى» الخالدة، التي ستتلذذ فيها بكل شيء، وتودّع الآلام والأحزان والأسقام، وتتلذذ بمعية المولى الكريم، ورسوله الأمين، والصالحين، والأزواج، والذرية، والأهل، والأحباب. اللهم بلّغنا كل خير يا رب.