حين نتحدث عن كبار السن، غالباً ما ينصرف التفكير إلى الرعاية الصحية والاجتماعية، وإلى توفير المكان الآمن والخدمة المناسبة لهم. وهذا أمر مهم وواجب إنساني ومجتمعي، لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، بل ربما هو أكثر أهمية بالنسبة إلى مستقبل الأجيال.

كبار السن ليسوا مجرد أشخاص يحتاجون إلى الرعاية، بل هم ذاكرة حية للوطن.

في مملكة البحرين توجد مؤسسات ودور رعاية نهارية وإيوائية لخدمة الوالدين وكبار المواطنين، وتشير البيانات المنشورة إلى وجود مؤسسات تقدم خدمات اجتماعية وصحية ونفسية وترفيهية وتأهيلية لهم. كما تؤكد الجهات الرسمية أهمية الاستفادة من خبراتهم وقدراتهم وإدماجهم في المجتمع.

وهنا يبرز سؤال يستحق أن نتوقف أمامه:

هل استفدنا فعلاً مما يختزنه رواد هذه المراكز من ذكريات وتجارب وخبرات في الحياة؟ وهل قمنا بتوثيقها حتى تستفيد منها الأجيال القادمة؟

ففي هذه الدور والمراكز يعيش بيننا رجال ونساء عاصروا مراحل مختلفة من تاريخ البحرين؛ بعضهم عرف البحر والغوص، وبعضهم مارس الحرف والمهن القديمة، وآخرون عاشوا بدايات التعليم النظامي، وشهدوا تطور المدن والقرى والأسواق ووسائل النقل والاتصالات، وعاصروا تغير أنماط الحياة والعلاقات الاجتماعية.

كل واحد منهم يحمل في ذاكرته قصة مكان، وقصة مهنة، وقصة أسرة، وقصة مجتمع.

وقد تكون بعض المعلومات التي يحملونها غير موجودة في الكتب والوثائق الرسمية، لأنها جزء من التاريخ الشفهي للمجتمع؛ وإذا لم تُسجل اليوم، فقد تختفي برحيل أصحابها.

ومن هنا، ربما نحتاج إلى مشروع وطني بسيط في فكرته، عظيم في قيمته، يقوم على إنشاء أرشيف لذاكرة كبار المواطنين، يتم من خلاله تسجيل مقابلات معهم بالصوت والصورة، وتوثيق ذكرياتهم وتجاربهم، ثم تصنيفها وحفظها في أرشيف رقمي يمكن أن تستفيد منه المدارس والجامعات والباحثون والمؤسسات الثقافية والإعلامية.

لماذا لا يذهب طلاب المدارس، مثلاً، إلى هذه المراكز للجلوس مع كبار المواطنين والاستماع إلى قصصهم؟ ولماذا لا تسجل الجامعات والباحثون هذه الشهادات باعتبارها مصدراً مهماً من مصادر التاريخ الاجتماعي؟

إننا ننفق الكثير على بناء المؤسسات والمراكز وهذا ما تقوم به الدولة كواجب عليها تشكر عليه، وهو أمر ضروري، لكن الاستثمار في الإنسان لا ينبغي أن يتوقف عند توفير الرعاية له، وإنما يجب أن يمتد إلى الاستفادة من خبرته ومعرفته وذاكرته.

والأهم من ذلك أن إشراك كبار السن في مثل هذه المشاريع يمنحهم شعوراً بأنهم ما زالوا قادرين على العطاء، وأن المجتمع لم يضعهم جانبا بعد انتهاء سنوات العمل.

فبدلاً من أن نقول لكبير السن: ماذا تحتاج؟، يمكن أن نسأله أيضاً:

ماذا تستطيع أن تقدم؟ وماذا تتذكر؟ وماذا تريد أن تورثه للأجيال؟

هذه الأسئلة قد تفتح أمامنا كنزاً من المعرفة والخبرة لا يمكن تعويضه.

إن رعاية كبار المواطنين واجب، لكن تكريمهم الحقيقي هو الاعتراف بقيمتهم ودورهم في بناء المجتمع، والاستفادة من تجاربهم قبل أن تتحول الذاكرة الحية إلى ذكريات لا يمكن استعادتها.

فالوطن لا يحفظ تاريخه في الكتب والمباني والوثائق فقط؛ بل هو محفوظ أيضاً في ذاكرة رجاله ونسائه الذين عاشوا مراحله وصنعوا جزءاً من واقعه.

ولذلك، فإن إنشاء مشروع وطني لتوثيق ذاكرة كبار المواطنين ليس ترفاً ثقافياً، بل هو استثمار في الذاكرة الوطنية، وحفظ لتاريخ المجتمع ومسيرة تطوره وبنائه، وجسر بين جيل الأمس وجيل الغد.

فكم من قصة في ذاكرة كبير سن قد تكون جديرة بأن يعرفها الوطن كله.. قبل أن يطويها النسيان.