خمسة وعشرون عاماً من العمل المؤسسي في خدمة المرأة البحرينية تمثل مسيرة وطنية راسخة، أسهمت في ترسيخ مكانة المرأة شريكاً فاعلاً في التنمية الوطنية، وجسدت رؤية آمنت بأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تقوم عليه نهضة الأوطان. وفي هذه المسيرة الوطنية المضيئة، يبرز تأسيس المجلس الأعلى للمرأة عام 2001، بموجب الأمر السامي رقم (44) لسنة 2001 وتعديلاته، بوصفه محطة مفصلية عكست توجه مملكة البحرين نحو ترسيخ المشاركة الوطنية، وتعزيز تكافؤ الفرص، ووضع قضايا المرأة ضمن أولويات العمل التنموي الشامل.

وقد جاء تأسيس المجلس الأعلى للمرأة في ظل المشروع الإصلاحي الشامل لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الذي جعل الإنسان البحريني محور التنمية وغايتها، ورسخ نهجاً يقوم على توسيع دائرة المشاركة، وتعزيز سيادة القانون، وتكافؤ الفرص، باعتبارها ركائز أساسية لبناء الدولة الحديثة.

وحظيت هذه الرؤية الوطنية بدعم ومتابعة مستمرين من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، من خلال تطوير العمل الحكومي وربط الخطط الوطنية بأهداف التنمية المستدامة، بما أسهم في تحويل الرؤى إلى برامج ومبادرات مؤسسية انعكست آثارها على مختلف القطاعات، وكان لتمكين المرأة البحرينية وتعزيز حضورها في مسيرة التنمية موقع بارز ضمن هذا النهج الوطني.

وفي هذا الإطار الوطني المتكامل، قادت صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة ملك البلاد المعظم، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة، سيدة البحرين الأولى، حفظها الله، مسيرة وطنية رائدة انطلقت مع تأسيس المجلس، لترسخ مرحلة جديدة قوامها العمل المؤسسي، والتخطيط الاستراتيجي، والشراكة الوطنية، والإيمان الراسخ بأن المرأة البحرينية تمتلك من الكفاءة والعطاء ما يجعلها شريكاً أصيلاً في صناعة الحاضر ورسم المستقبل.

ومنذ تأسيس المجلس الأعلى للمرأة، آمنت صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، حفظها الله، أن نجاح أي مشروع تنموي لا يقاس فقط بما يحققه من نتائج آنية، وإنما بقدرته على إحداث تغيير مؤسسي مستدام. ومن هنا اتجهت جهود المجلس إلى بناء منظومة عمل تستند إلى الدراسات والبحوث، وتعتمد على التخطيط وقياس الأثر، وتعمل وفق خطط واستراتيجيات واضحة قابلة للتطوير والتقييم والمراجعة، الأمر الذي أسهم في ترسيخ نهج مؤسسي يقوم على المعرفة والتخطيط بعيد المدى.

وتأتي الذكرى الخامسة والعشرون لتأسيس المجلس الأعلى للمرأة لتؤكد أن ما تحقق خلال ربع قرن لم يكن إنجازاً عابراً، وإنما ثمرة رؤية تنموية متكاملة، استندت إلى إرادة سياسية داعمة، وعمل مؤسسي واعٍ، وجهود متواصلة هدفت إلى بناء منظومة مستدامة للنهوض بالمرأة وتعزيز حضورها في مختلف المجالات، وربط مشاركتها بأهداف التنمية الوطنية الشاملة.

ويجسد الاحتفاء باليوبيل الفضي لتأسيس المجلس الأعلى للمرأة في عام 2026 محطة وطنية مهمة لاستحضار هذه المسيرة، وما راكمته من منجزات وخبرات وممارسات مؤسسية أسهمت في ترسيخ مكانة المرأة البحرينية وتعزيز مشاركتها في بناء الوطن. ويأتي ذلك في إطار الشعار الخاص بهذه المناسبة «خمسة وعشرون عاماً في قلب المشروع الإصلاحي»، بما يحمله من دلالة على ارتباط مسيرة المجلس بالمشروع الإصلاحي وما أرسته المملكة من أسس راسخة للمشاركة وتكافؤ الفرص والتنمية الشاملة.

وتتزامن هذه المناسبة الوطنية مع «عام عيسى الكبير»، الذي صدر الأمر الملكي السامي بتسمية عام 2026 به، احتفاءً بصاحب العظمة عيسى الكبير، حاكم البحرين وتوابعها، طيب الله ثراه، وتخليداً لدوره بوصفه باني الدولة الحديثة، وما ارتبط بعهد عظمته من تأسيس وترسيخ لعدد من المؤسسات القانونية والمدنية التي أسهمت في بناء الدولة الحديثة وترسيخ مسيرتها المؤسسية.

وقد شكلت الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية، التي اعتمدها جلالة الملك المعظم عام 2005، أساساً مهماً للخطط الوطنية المتعاقبة، وتحولت إلى إطار عمل متكامل تُبنى عليه البرامج والمبادرات الهادفة إلى تعزيز مشاركة المرأة وإدماج احتياجاتها في مسارات التنمية الوطنية.

وانطلاقاً من هذا النهج، أصبح النهوض بالمرأة البحرينية جزءاً أصيلاً من مسيرة التنمية الوطنية، باعتباره استثماراً في رأس المال البشري وتعزيزاً لقدرات المجتمع على الإنتاج والابتكار. فقد أثبتت المرأة البحرينية عبر السنوات امتلاكها للكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية، متى ما توافرت لها البيئة الداعمة والفرص المتكافئة، وهو ما انعكس في تطوير السياسات والتشريعات، وتحسين بيئات العمل، وتعزيز حضور المرأة في مختلف مواقع المسؤولية.

وقد جاءت الخطط الوطنية للنهوض بالمرأة البحرينية ترجمة لهذا النهج المتكامل، فلم تُبنَ باعتبارها برامج منفصلة، وإنما بوصفها جزءاً من الرؤية التنموية الشاملة للمملكة، ترتبط بأولويات الدولة، وتنسجم مع أهداف التنمية المستدامة، وتسهم في تطوير جودة السياسات العامة وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي.

وتؤكد الخطة الوطنية لنهوض المرأة البحرينية 2025–2026 استمرار هذا النهج، من خلال أربعة مجالات رئيسية تمثل أولويات المرحلة، هي: استقرار الأسرة، وصنع واتخاذ القرار، والمشاركة الاقتصادية، وجودة الحياة، بما يعكس انتقال العمل المؤسسي إلى مرحلة أكثر تطوراً تستجيب للاحتياجات المتغيرة للمرأة والأسرة والمجتمع.

وأثمرت هذه الرؤية إطلاق العديد من المبادرات النوعية التي عززت مبدأ تكافؤ الفرص داخل مؤسسات الدولة، ووسعت مشاركة المرأة في مواقع المسؤولية وصنع القرار، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن الكفاءة والجدارة هما أساس التقدم والنجاح، وأن حضور المرأة في مواقع القيادة ليس مكسباً للمرأة وحدها، وإنما إضافة نوعية إلى مسيرة الوطن.

ومن واقع تجربتي العملية، وبصفتي رئيسة سابقة للجنة تكافؤ الفرص (التوازن بين الجنسين) في الأمانة العامة لمجلس الشورى لمدة أربعة عشر عاماً، عايشت هذا النهج المؤسسي عن قرب، ووقفت على اهتمام المجلس الأعلى للمرأة ومتابعته المستمرة لهذا الملف، وحرصه على التواصل مع المؤسسات والجهات التي تضم لجاناً لتكافؤ الفرص، ومتابعة أعمالها، ودعم أدوارها، وتبادل الخبرات معها. وقد لمست أن هذا التواصل لم يكن مجرد متابعة إدارية، بل نهجاً تشاركياً أسهم في ترسيخ مفهوم تكافؤ الفرص داخل المؤسسات، ودعم مشاركة المرأة وتعزيز حضورها في مواقع المسؤولية وفق الكفاءة والجدارة، وإتاحة المجال أمامها لإثبات قدراتها وتولي مسؤولياتها في مختلف مواقع العمل.

كما أولى المجلس الأعلى للمرأة اهتماماً بالتمكين الاقتصادي للمرأة، من خلال دعم ريادة الأعمال، وتشجيع الابتكار، وتعزيز مشاركتها في المجالات الاقتصادية والاستثمارية، بما جعلها شريكاً فاعلاً في مسيرة التنوع الاقتصادي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، إلى جانب الاهتمام بتطوير السياسات التي تدعم مشاركتها في القطاعات الواعدة والمجالات الحديثة.

وامتدت ثمار هذه المسيرة إلى مختلف ميادين العمل الوطني، حيث أثبتت المرأة البحرينية حضوراً متميزاً في السلطتين التنفيذية والتشريعية، وفي المجال القضائي، والسلك الدبلوماسي، والأجهزة الأمنية والعسكرية، إلى جانب قطاعات التعليم والصحة والهندسة والقطاع المالي والإعلام والسياحة وغيرها من المجالات. ولم يكن هذا الحضور وليد اللحظة، وإنما جاء نتيجة استثمار طويل في التعليم والتأهيل وبناء القدرات، أسهم في إعداد كوادر نسائية وطنية قادرة على تحمل المسؤولية والمشاركة الفاعلة في مختلف مواقع العمل.

ومن أبرز عوامل نجاح مسيرة المجلس الأعلى للمرأة قدرته على بناء شراكات وطنية واسعة مع مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بما جعل النهوض بالمرأة مسؤولية وطنية مشتركة، ورسخ ثقافة مؤسسية تؤمن بأن التنمية الشاملة تتحقق بتكامل الأدوار وتضافر الجهود. ويؤكد المجلس في منهجيته أن الشراكة والتنسيق مع مختلف السلطات والمؤسسات والجهات ذات العلاقة يمثلان ركيزة أساسية في تنفيذ الخطط الوطنية وتحقيق أثرها.

كما تميزت رؤية صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، حفظها الله، باستشراف المستقبل، فلم تقتصر على تعزيز مكتسبات المرأة في الحاضر، بل امتدت إلى إعدادها لمواكبة التحولات العالمية المتسارعة، ودعم الابتكار، وتنمية المهارات الرقمية، والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما يعزز قدرة الكفاءات الوطنية على المنافسة والإسهام في اقتصاد المستقبل.

وفي الوقت ذاته، ظل المجلس الأعلى للمرأة يولي الأسرة البحرينية اهتماماً خاصاً باعتبارها الركيزة الأساسية للمجتمع، فعمل على دعم المبادرات التي تعزز التوازن بين المسؤوليات الأسرية والمهنية، وتهيئة الظروف التي تساعد المرأة على مواصلة عطائها في مختلف المجالات، مع الحفاظ على استقرار الأسرة وتماسكها باعتبارهما أساساً لمجتمع متوازن ومستدام. ويحتل استقرار الأسرة موقعاً متقدماً ضمن أولويات الخطة الوطنية لنهوض المرأة البحرينية 2025–2026.

وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، حظيت مسيرة مملكة البحرين في مجال النهوض بالمرأة باهتمام وتقدير، لما قدمته من نهج يجمع بين المحافظة على الهوية الوطنية والقيم المجتمعية، والاستفادة من أفضل الممارسات في مجالات الحوكمة وتكافؤ الفرص. وقد أكدت هذه المسيرة أن بناء المنجزات المستدامة يحتاج إلى وضوح الرؤية، وقوة المؤسسات، واستمرارية العمل، وتكامل الجهود.

إن الاحتفاء بمرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيس المجلس الأعلى للمرأة ليس احتفاءً بسنوات مضت فحسب، بل هو احتفاء بمسيرة وطنية متكاملة أسهمت في بناء نموذج مؤسسي راسخ في مجال النهوض بالمرأة، ورسخت مكانة المجلس بوصفه جهة وطنية معنية بشؤون المرأة وشريكاً أساسياً في دعم السياسات والخطط المرتبطة بالمرأة والأسرة والتنمية. وتؤكد مسيرة المجلس، بما راكمته من خبرات وبرامج ومنهجيات، أن العمل المؤسسي المستدام هو الطريق الأقدر على تحويل الرؤى إلى نتائج ملموسة.

وقد ارتبط اسم صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة بهذه المسيرة بوصفها قائدةً لمشروع وطني آمنت بقدرات المرأة البحرينية، وكرست رؤيتها في عمل مؤسسي متواصل، فأسهمت في تحويل الطموحات إلى برامج ومبادرات ومنجزات أصبحت جزءاً من مسيرة البحرين الحديثة. ولم تكن قيادة سموها لهذه المسيرة مجرد قيادة رمزية، بل ارتبطت بمنهج يقوم على التخطيط والشراكة والمتابعة والتقييم واستشراف المستقبل.

وبعد خمسة وعشرين عاماً، تبدو المسيرة أكثر رسوخاً ونضجاً، وهي تتجه إلى مرحلة جديدة لا تتوقف عند حدود التمكين أو التقدم، وإنما تتطلع إلى الريادة، بما يتناسب مع ما وصلت إليه المرأة البحرينية من حضور وكفاءة وخبرة، وبما يواكب المتغيرات الوطنية والإقليمية والعالمية. وهذا التوجه يمثل امتداداً طبيعياً لمسيرة بدأت بالتمكين، ثم انتقلت إلى التقدم، لتواصل طريقها نحو الريادة.

خمسة وعشرون عاماً ليست مجرد ذكرى، وإنما مسيرة وطن، ورؤية قيادة، وعطاء امرأة بحرينية آمنت بها صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، فأصبح تمكينها جزءاً من مشروع وطني أوسع، عنوانه الإنسان، وهدفه التنمية، وركيزته الشراكة.

وإذا كانت السنوات الخمس والعشرون الماضية قد أرست دعائم راسخة لحضور المرأة البحرينية، فإن القادم يحمل مسؤولية أكبر وطموحاً أوسع؛ لتواصل المرأة دورها شريكاً في التنمية، وقائدةً في مواقع التأثير، وصانعةً للمستقبل، ولتبقى مسيرة النهوض بها شاهداً حياً على أن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأعمق في مستقبل مملكة البحرين.