تستحضر خطابات حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله ورعاه، محطات تاريخية مركزية وتوظيفها لبناء الدولة الحديثة وترسيخ الهوية الوطنية وتعزيز المكانة المتميزة لمملكة البحرين إقليمياً ودولياً، مستندة إلى إرث الآباء والأجداد وقيم الانتماء والعدالة والتواصل المستمر بين القيادة والشعب.

حيث تؤكد خطابات جلالة الملك المعظم على شواهد تاريخية وحضارية دقيقة تمثل ركائز الهوية الوطنية والسيادة البحرينية، وتعكس دون شك البُعد التاريخي والحضاري في الخطابات الملكية. إذ يُوِظّف جلالته شواهد متميزة في تاريخ البحرين يحاول من خلاها ربط الحاضر المنجز بالماضي العريق وتأكيد استمرارية نهج الدولة وتعكس تلك الشواهد الاطلاع الواسع لجلالته بالتاريخ وحُسن استحضار أحداث ووقائع من تاريخ وحضارة البحرين وتوظيفها لدعم بناء دولة متحضرة رائدة مستقرة مزدهرة في محيطه الإقليمي والدولي.

ويتمثل هذا الحضور في عبارات موجزة دقيقة تربط الوقائع التاريخية بقيم الإسلام النبيلة، ومن هذه الشواهد ما ورد في كلمة جلالته خلال تشريفه حضور التمرين المشترك: درع البحرين» في 30 يوليو 2026، إذ قال جلالته: «وتناسيها فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية، التي أكسبت حضارتها عمقاً روحياً وإنسانياً ومعرفياً بعد عصور من الضلال».

معقباً بتعبيره عن الأمل في تغليب الأخوة الإسلامية والالتزام بقيم الدين السمحاء القائمة على التعايش واحترام العهود وحسن الجوار.

انطلاقاً من هذه العبارة نستعرض في هذا المقال عدداً من الشواهد التاريخية التي تحفظ لنا ما أحدثته الرسالة المحمدية بإنسانها العربي وقيمها الإسلامية من تحول روحي ومعرفي في بلاد فارس.

إن انطلاق الدعوة الإسلامية من مكة بلسان عربي مبين على يد نبيٍّ عربي إلى الناس كافّة، ثم واصل الصحابة وتابعيهم من العرب نشر الإسلام وحضارته بدعم مباشر من خلفاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدهم، وجاء نشر الإسلام تحقيقا لعالمية الدعوة وحرصاً على إنقاذ الناس من الضلال إلى نور الإيمان، ومن الجزيرة العربية وشرقيها ممثلاً بالبحرين تحركت الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين فاتحين بلاد العراق والشام ومصر ثم تقدموا نحو أقاليم بلاد فارس ففتحوها فدخلت تحت راية الدولة الإسلامية في القرن السابع الميلادي. مما مثل تحولاً شاملاً في هذه البلاد نال الإدارة والسياسية والعقيدة واللغة والثقافة والعلم.

تلا الفتح الإسلامي العظيم لفارس استقرار عدد من القبائل العربية في الأقاليم والمدن الشرقية حيث نقلوا معهم تعاليم الدين الإسلامي والقرآن الكريم والسنة النبوية والقيم الأصيلة، حيث كانت إقامة العرب في هذه المدن أساسا لتثبيت الهوية الإسلامية، فحيثما استقر العرب بنيت المساجد والمدارس، وانتشرت مجالس العلم، ونشطت حلقات التدريس، فانتشر الفقه واللغة العربية والحديث والتفسير وسائر العلوم الشرعية والعقلية والتجريبية، ومثل ذلك تطوراً وإضافة كبيرة لمدن بلاد فارس وحضارتها، وفي ذات الوقت ارتبطت مدن الشرق الإسلامي بالمراكز العلمية في الحواضر العربية في مكة المكرمة والمدينة النبوية والبصرة والكوفة وبغداد وغيرها، لتصبح مدن خراسان وفارس جزءاً من شبكة علمية ومنظومة حضارية عربية إسلامية موحدة ينتقل بها العلماء وطلبة العلم ومؤلفاتهم بسهولة.

عند تتبع البلدان المفتوحة، ومن بينها فارس نجد أن العربية تفرض نفسها بعد الفتوحات فهي لغة مكتملة البيان وهي لغة القرآن والسنة والشعر والخطابة، بل ولغة الإدارة والقضاء والعلم، فنجدها حلت محل الفارسية، بل وأصبحت اللغة الرئيسة للعلوم والمراسلات في فارس، وظلت مكانة وانتشار أي مؤلف رهينة بقدرته على الكتابة بالعربية.

وقد مثلت اللغة العربية لمختلف العلوم بحراً متكاملاً من حيث السعة والانتشار والإثراء، فانتشرت في مدن فارس علوم الفقه والحديث والتفسير والطب والفلك والرياضيات والفلسفة، بل كان لها دور في إثراء الفارسية بمصطلحات عربية كثيرة.

ومن هنا تأتي الدقة التاريخية في قول جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، عن فضل الرسالة المحمدية على الأمة الفارسية وما أكسبته حضارتها من عمق روحي وإنساني ومعرفي.

وهي حقيقة تؤيدها شواهد الدين واللغة والعلم والتاريخ؛ فقد كان العرب أصحاب المبادرة، وكانت العربية وعاء النهضة، وكانت الرسالة المحمدية أصل التحول الحضاري الذي شهدته بلاد فارس بعد الإسلام.