ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية في تقرير حديث أن الانتشار الواسع للسيارات الكهربائية في الصين، إلى جانب شبكة السكك الحديدية العاملة بالكهرباء، أسهما في خفض الطلب الصيني على الوقود المستورد من الشرق الأوسط، ومن ثم تقليل تأثير الحرب الأمريكية الإيرانية في أسعار النفط العالمية.
فالصين، التي تُعد أكبر مستورد للنفط في العالم، استوردت خلال عام 2025 نحو 11 مليون برميل يومياً، جاء قرابة نصفها من دول الشرق الأوسط، بما فيها إيران. لكن وارداتها تراجعت بين فبراير ويونيو 2026 بنحو 5.8 مليون برميل يومياً، أي بنسبة تقارب 49%. وكان لهذا الانخفاض الحاد دور محوري في الحد من ارتفاع أسعار النفط عالمياً.
ولا يمكن فهم قدرة الصين على خفض استهلاك الوقود من دون النظر إلى التحول الكبير الذي شهدته سوق السيارات لديها حيث أصبحت السيارات الكهربائية تمثل قرابة 55% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة في الصين.
وبحلول نهاية 2025، بلغ عدد السيارات الكهربائية الموجودة على الطرق الصينية نحو 44 مليون سيارة، بما يعادل قرابة 13% من إجمالي أسطول السيارات في البلاد. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن 70% من السيارات الكهربائية المباعة في الصين أصبحت أرخص من متوسط أسعار السيارات التقليدية، وهو ما ساعد على تسريع انتشارها وتقليص استهلاك البنزين. وتعكس أرقام الإنتاج حجم هذا التحول الصناعي؛ إذ أنتجت الصين خلال 2025 نحو 16.5 مليون مركبة من مركبات الطاقة الجديدة بجميع أنواعها.
وبلا شك كلما ارتفعت نسبة السيارات التي تعمل بالكهرباء، تراجعت حاجة قطاع النقل إلى البنزين، وبذلك تحولت السيارات الكهربائية، عند اندلاع الحرب واضطراب الإمدادات، إلى خط دفاع اقتصادي خفّف تعرّض الصين لتقلبات السوق النفطية.
والأمر نفسه ينطبق على شبكة السكك الحديدية الصينية، التي تعتمد على الكهرباء المولّدة من الفحم والطاقة المتجددة. ففي الوقت الذي تراجعت فيه أعداد ركاب الرحلات الجوية الداخلية في الشهور الماضية، بعد ارتفاع أسعار التذاكر ورسوم الوقود، حافظت القطارات على قوتها التشغيلية لكونها أقل ارتباطاً بصورة مباشرة بأسعار النفط.
لكن قدرة الصين على امتصاص الصدمة لم تعتمد على السيارات الكهربائية والقطارات وحدهما، بحسب التقرير؛ فقد استفادت كذلك من استثماراتها الطويلة في تحويل الفحم إلى وقود ومواد كيميائية. ففي عام 2024، بلغ إنتاجها من المشتقات المكررة من الفحم ما يعادل تكرير قرابة 300 مليون برميل من النفط، وقد وفّر ذلك بديلاً جزئياً ومؤقتاً للنفط المستورد.
أما العامل الأهم، فكان المخزون النفطي الضخم الذي راكمته الصين قبل الحرب، مستفيدة من النفط الروسي والإيراني منخفض السعر. ويصل إجمالي النفط المخزّن لديها إلى نحو مليار برميل.
وهكذا، جاءت قدرة الصين على مواجهة صدمة الحرب بسبب سياسات طويلة الأمد قامت على تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في النقل الكهربائي، وتطوير البدائل المحلية كاستخدام الفحم، وتكوين مخزونات نفطية ضخمة. وقد مكّنتها هذه المنظومة من تقليل اعتمادها مؤقتاً على نفط الشرق الأوسط، وامتصاص جانب كبير من اضطراب الإمدادات، والمساهمة بصورة غير مباشرة في منع أسعار النفط العالمية من الارتفاع إلى مستويات أكثر خطورة.