لماذا لا تهدد إيران، إن كانت جادة في «حربها» على القرار الأمريكي، بارجاتها ومطاراتها وقواعدها؟ لماذا يذهب أمين مجلسها الأعلى للأمن القومي، محسن رضائي، بتهديده كله نحو القول بـ(المصالح الأمريكية) أي الخليج، ويترك واشنطن وتل أبيب خارج دائرة الوعيد؟ السؤال وحده يفكك الخطاب قبل أن يُستكمل نطقه.

في 22 أغسطس الجاري، خرج رضائي بلغة التحذير المعتادة، كل دولة تُسهم في «الحرب الاقتصادية» الأمريكية على طهران ستُعامل كعدو، ومصالحها لن تكون بمنأى عن الاستهداف، وصولاً إلى التلويح بإغلاق مضيق هرمز ومنع خروج النفط. خطاب لا جديد فيه سوى توقيته، الذي يأتي رداً مباشراً على تصعيد ترامب ووزير خزانته حملةً غير مسبوقة لعزل النظام الإيراني ودفعه نحو الانهيار.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في التهديد بحد ذاته، بل في «مطاطيته». فـ«المصالح الأمريكية» في القاموس الإيراني ليست تعريفاً قانونياً بقدر ما هي مساحة فارغة تُملأ بما تشتهيه طهران، قاعدة، ميناء، منشأة نفطية، أي تعاون اقتصادي يُشتبه في خدمته لواشنطن ولو من بعيد. غموض مقصود، صُمم خصيصاً ليمنح الحرس الثوري غطاءً جاهزاً لضرب أي هدف خليجي، مدنياً كان أو عسكرياً، تحت يافطة «التواطؤ مع أمريكا».

وبهذا المنطق المطاط، لا عجب لو أدرجت طهران «حلويات شويطر» ضمن قائمة «المصالح الأمريكية» في البحرين، فالمحل مقصد لكثير من الأمريكيين والأوروبيين في تسوقهم وسياحتهم بالمملكة، وحين يتسع التعريف إلى هذا الحد، يصبح كل محل وكل ميناء وكل رصيف مرشحاً لدخول القائمة.

وهنا يكمن جوهر الخديعة. فإيران، لو أرادت فعلاً معاقبة من تحاصرها اقتصادياً، لكانت السفن الحربية الأمريكية في مياه الخليج العربي هدفاً أقرب من أي ميناء عربي، ولكانت القواعد الأمريكية داخل إسرائيل ـ الحليف الاستراتيجي الأول لواشنطن ـ أولى بالتهديد من أي منشأة نفطية سعودية أو إماراتية أو قطرية أو كويتية. ولكانت قواعد الناتو في اليونان، التي تستضيف عتاداً أمريكياً بامتياز، حاضرة في الخطاب بدل أن تُستبعد منه كلياً.

لكن الحساب الإيراني لا يعمل بهذه البساطة. ضرب أمريكا مباشرة يعني رداً أمريكياً كاسحاً لا قِبَل لطهران باحتماله. ضرب إسرائيل يعني مواجهة منظومة دفاعية لا تُخترق بسهولة، ورداً لا يُحتمل ولا يُقاس. ضرب اليونان يعني استفزاز الناتو بأكمله.

أما دول الخليج، فهي الحلقة المقصودة في هذه المعادلة حسب اعتقاد إيران، وأقرب جغرافياً، وأكثر حرصاً على الحكمة وضبط النفس في قرارها العسكري، وأعلى عائداً استراتيجياً حين تُصاب. فكل ضربة هناك تحقق لطهران هدفين في آنٍ واحد، عقاب رمزي لـ«المتعاونين» مع واشنطن وهو للاستهلاك المحلي وخداع الرأي العام الإيراني، والأساسي والأهم لها إضعاف فعلي لمنافسٍ اقتصادي إقليمي ومنطقة لطالما حلمت بأن تكون تبعاً لها.

فلا يخدعنكم صخب التهديد الموجه ظاهراً لواشنطن، فمن يخشى الرد الحقيقي يضرب حيث لا رد يُخشى.