لا يُصنَّف المشير عاصم منير، بحكم موقعه قائداً للجيش الباكستاني، ضمن الفاعلين الدبلوماسيين بالمعنى اللفظي للتوصيف. غير أن زيارته الأخيرة إلى طهران، التي جاءت عقب زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في الرابع والعشرين من أغسطس الجاري، تكتسب أهمية تتجاوز الإطار البروتوكولي للوسيط.
فالمؤسسة العسكرية الباكستانية تاريخياً وعملياً، هي أحد أهم المراكز الرئيسة في صناعة القرار السياسي والأمني في إسلام آباد. إلا أن تحركات قائده باتت تحمل مضامين سياسية واستراتيجية تتصل بموقع باكستان ضمن معادلات توازن القوة الجديد في غرب آسيا وخصوصاً من منظور إيران لتحالف مكة.
والزيارة قد تتيح قراءة أولية لمستوى القلق الإيراني حيال التحولات المتسارعة في محيطها الجيوسياسي. فطهران تواجه، بالتزامن ضغوطاً اقتصادية متراكمة (عملية الخنق والعزل الاقتصادي، والتي أطلقها وزير الخزانة الأمريكية بيسنت Operation Economic Outcast في 24 من أغسطس الجاري) وتحديات أمنية ممتدة على حدودها، وتصاعداً في منسوب التوتر مع الولايات المتحدة وعزلة دولية نتيجة إغلاق مضيق هرمز. كما أنها تراقب بحذر إعادة تشكل أنماط لشراكات أمنية خليجية وقوى إقليمية ودولية (تحالف مكة). وفي هذا السياق، قد يكون استقبال عاصم منير تعبيراً عن اهتمام إيراني أولاً لاستكشاف حدود الانخراط الباكستاني في الترتيبات الأمنية إقليمياً، ومدى قابلية إسلام آباد الاطلاع بأدوار تتجاوز أطر التعاون الثنائي التاريخية.
وتتصل هذه القراءة بطبيعة التحركات الباكستانية خلال الفترة الأخيرة. فالتوقيع على مواثيق دفاع مشترك مع الكويت والصومال، وجولة مكوكية لرئيس جهاز الاستخبارات الباكستاني لعدد من العواصم الخليجية، إلى جانب زيارة عاصم منير إلى الصومال. في إشارة إلى انخراط باكستاني متزايد في غرب آسيا والقرن الأفريقي منذ توقيعها ميثاق تحالف مكة. وبما يعزز من حضورها في أكثر من ملف أمني إقليمي، ذلك بالإضافة لمسؤوليتها التفاوضية تجاه شركائها الإقليميين والدوليين.
أما من المنظور الإيراني، فإن العلاقة مع باكستان تكتسب قيمة مركبة. فأمن الحدود المشتركة، الممتدة عبر مناطق تعاني هشاشة تنموية وانتشاراً لشبكات التهريب والجماعات المسلحة، يمثل أولوية ثابتة لدى الطرفين. وقد شهدت الحدود بين البلدين توترات أمنية متكررة، بما في ذلك عمليات عسكرية محدودة، الأمر الذي يجعل الحوار الأمني ضرورة تتصل بمنع التصعيد أكثر من كونه خياراً سياسياً. وفي الوقت ذاته، تدرك طهران أن باكستان تحتفظ بروابط وثيقة مع المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، فضلاً عن امتلاكها قنوات اتصال مع الولايات المتحدة، على الرغم من التباينات التي شابت العلاقات الثنائية في مراحل سابقة.
وعليه، يمكن فهم التواصل الإيراني الباكستاني بوصفه أداة محتملة لإدارة الرسائل غير المباشرة. فإيران قد تجد في إسلام آباد قناة تتيح اختبار المواقف الإقليمية والدولية، أو إيصال إشارات بشأن استعدادها لإعادة فتح مسار تفاوضي مع واشنطن على عكس ما سعت إليه طهران سابقاً من تحييد للوسيط والوساطة الباكستانية. ولا يعني ذلك أن باكستان راغبة في رعاية وساطة مطولة، إذ تظل قدرتها مقيدة بتعقيدات علاقاتها المتوازية مع طهران والرياض وواشنطن وبكين، فضلاً عن أولوياتها الداخلية والاقتصادية والأمنية.
ومع ذلك، تكشف الزيارة عن حقيقة أساسية مفادها أن الدبلوماسية الأمنية باتت أداة مركزية في إدارة التوازنات الإقليمية. فطهران تسعى إلى تحييد احتمالات العزل والتصعيد، فيما تعمل إسلام آباد على توظيف موقعها وشبكات علاقاتها المُعقدة في توسيع هامش حركتها. وبين الحذر الإيراني والطموح الباكستاني، تتبلور مساحة اتصالية قد لا تنتج تسويات كبرى في المدى المنظور، لكنها قد تسهم في احتواء المخاطر وفتح قنوات تفاوضية جديدة وذات موثوقية أكبر.