أسوأ أنواع الخداع ليس أن يخدعك شخص في صفقة أو يحتال عليك في تجارة، أو يستغل ثقتك لتحقيق مكسب مادي. الأسوأ أن يخدعك باسم الدين.
يحدثك عن الأمانة وهو يخونها، وعن الحلال والحرام وهو أول من يضرب ذلك بعرض الحائط، تراه يتدثر بالمذهب والقيم والمبادئ حتى يحصد ثقة الناس، ثم يستخدمها لتحقيق مصالحه الشخصية.
جرائم الاختلاس والاحتيال وغسل الأموال موجودة في كل دول العالم، ويرتكبها أشخاص في شركات ومؤسسات وأسواق ومجالات مختلفة، وهذه جرائم لها قوانين تلاحقها وتعاقب مرتكبيها. لكن المصيبة حين تقع الجريمة داخل منظومة مرتبطة بالدين، وبأموال الأوقاف، وبالمساعدات المخصصة للمحتاجين.
قضية الموظف في الإدارة العامة للأوقاف الجعفرية التي صدر فيها الحكم مؤخراً، تستحق أن نتوقف عندها، ليس من زاوية الجريمة والعقوبة، وإنما من زاوية أعمق تتعلق بالثقة واستغلال الدين.
نتحدث عن شخص كان يفترض أن يكون أميناً على أموال مخصصة لمساعدة الناس، فإذا بالحكم القضائي يكشف عن اختلاس مئات الآلاف من الدنانير من شيكات المساعدات الخيرية، وتزوير طلبات بأسماء وهمية، وتحريف بيانات في النظام الإلكتروني، واستخدام جزء من الأموال في شؤونه الخاصة، وصولاً إلى غسل الأموال التي وضع يده عليها.
كيف يمكن لشخص يعمل داخل مؤسسة مرتبطة بالأوقاف، ويعرف تماماً طبيعة هذه الأموال ولمن خُصصت، أن تمتد يده إليها؟! أين الدين الذي يفترض أن يكون حاضراً قبل الوظيفة؟ وأين الأمانة؟! وأين الخوف من أكل أموال خُصصت أساساً لمحتاج قد ينتظرها لسداد دين، أو إعالة أسرة، أو علاج مريض، أو توفير احتياجات أبنائه!؟ للأسف، هذا نموذج للاعتداء على ثقة الناس!
الخطر على المجتمع هنا بأن يتحول الدين أو المذهب إلى غطاء يمنح بعض الأشخاص حصانة معنوية في أعين الآخرين؛ فيصدقهم الناس لأنهم يتحدثون باسم الدين، أو يثقون بهم لأنهم محسوبون على مؤسسة دينية، أو يترددون في مساءلتهم؛ لأنهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم حماة للدين والمذهب أو مدافعين عنه.
الدين لا يمنح أحداً صكاً يجعله ذا حصانة من السؤال والمحاسبة. بل على العكس، كلما كان الإنسان أقرب إلى موقع ديني أو خيري، كانت مسؤوليته الأخلاقية أكبر، وكان الواجب أن تكون الرقابة عليه أشد، لأن ما بين يديه بالفعل أموال، لكن الأهم منها ثقة الناس.
يحسب لحكومتنا وأجهزتها المعنية التعامل الجاد مع مثل هذه القضايا، وعدم السماح بأن تتحول المؤسسات المرتبطة بالدين والأوقاف والعمل الخيري إلى مناطق مغلقة لا تصل إليها أعين الرقابة.
حين تتحرك وزارة العدل، والنيابة العامة، وديوان الرقابة المالية والإدارية، وأجهزة مكافحة الفساد والتحريات المالية لتتبع الأموال والكشف عن التجاوزات والتحفظ على الممتلكات ومحاسبة المتجاوز، فهذا هو الفعل الصحيح. نحن أمام حماية للمال العام، لكننا أيضاً أمام حماية لثقة المجتمع في مؤسساته.
لكن هنا يجب أن نكون واضحين، هذه قضية فرد أدين بجرائم محددة، ولا يجوز تحميل مذهب أو طائفة مسؤولية جريمة شخص. فالمذهب أكبر من أن تختزله جريمة فرد، والمؤسسة لا يجب أن تدفع ثمن خيانة موظف للأمانة التي حملها.
القضية تفتح باباً خطيراً جداً، إذ كم شخصاً في مجتمعاتنا يستغل الدين أو المذهب لتحقيق مصلحة شخصية؟! وكم شخصاً يستخدم العاطفة الدينية لاستغفال الناس؟! في المقابل، كم من الناس منحوا ثقتهم المطلقة لأشخاص فقط لأنهم تحدثوا معهم بلغة الدين والمذهب؟!
المشكلة أن الأمر لا يقف عند المال؛ إذ مثلما يمكن استغلال الدين للحصول على المال، يمكن استغلاله للتأثير في العقول، وتحريك الناس، وصناعة الولاءات، بل ومحاولة توظيفهم لخدمة أجندات سياسية أو مصالح خارجية تضر بأوطانهم.
لا تجعلوا الدين بوابة لتعطيل العقول. اسألوا، ودققوا، وحاسبوا، ولا تسمحوا لأحد بأن يستغلكم باسم الدين، لأن هذه من أخطر الوسائل التي تستخدم لتطويع إرادات البشر وسلبها وتغييب مداركهم.
خيراً ما تفعل البحرين حين تضرب بيد القانون على كل من يعبث بأموال الناس، والأهم أن تستمر الرقابة أكثر وأكثر على كل المساحات التي يمكن أن يُستغل فيها الدين أو العمل الخيري أو العاطفة المذهبية لخداع الناس.
حماية المجتمع بحماية أمواله فعلاً، لكن الأهم في حماية وعيه أيضاً، وفي حماية الدين من مستغليه. الدين قيم وأمانة وأخلاق، ومن يستخدمه ليخدع الناس، أو يسرقهم أو يستغل عواطفهم، فهو إنما يسيء للدين أيما إساءة.