حين يجد «التحريض» طريقه إلى منبر يثق به الناس، سواء عبر خطبة أو درس ديني، أو جمعية، أو مدرسة، أو مجلس اجتماعي، يصبح أخطر من أي خطاب سياسي «متطرف» صريح يستهدف التأثير على عقول البشر.

ليست المشكلة في المنابر أو منصات مخاطبة المجتمع، بل فيمن يحاول استخدامها. إذ ليس كل من يتحدث باسم الدين هدفه الدين، وليس كل من يرفع شعار خدمة المجتمع يعمل للمجتمع، وليس كل من يقترب من الناشئة يريد تنوير عقولهم.

هناك من أدرك منذ زمن أن الوصول إلى الناس من بوابات الثقة أسهل من الوصول إليهم عبر الخطاب السياسي المباشر، ولذلك اختار الدين أو المذهب أو التعليم أو النشاط الاجتماعي غطاء للعمل على العقول بهدوء، وعلى مدى طويل.

المحرض الماكر لا يقول للشاب منذ اليوم الأول «عليك بمعاداة وطنك». بل يبدأ معه بخطوات صغيرة. يشحنه، ويغذي داخله شعوراً دائماً بالمظلومية، ويقنعه بأن المجتمع منقسم، وأن الدولة طرف ضده، وأن المختلف معه خصم، ثم يقدم له الخارج بوصفه سنداً، والتيار أو الجماعة بوصفهما بديلاً عن الهوية الوطنية. وإن نجح في التأثير، بعدها يصبح الباقي أسهل.

رأينا شباباً ضاع مستقبلهم، وآخرين دفعوا سنوات من أعمارهم ثمناً لأفكار زرعها في رؤوسهم من كان يعرف جيداً ماذا يريد منهم. بعضهم تحول من طالب أو موظف أو شاب طبيعي له حياة ومستقبل، إلى مجرد أداة في معركة لا يملك قرارها ولا يعرف أين تبدأ مصالحه فيها وأين تنتهي مصالح الآخرين.

هكذا يعمل التحريض حين ينجح، لا يحرم الإنسان من رأيه وعقله الحر، بل يسرق منه مستقبله أيضاً، وما أكبر خسارة من خسارتك لمستقبلك؟! خاصة حين تدرك أن من حرضك بات لا يعرفك، بعد أن استخدمك.

وعليه لنتكلم بصراحة، ونضع النقاط على الحروف. تنظيم المنابر والمؤسسات الاجتماعية والتعليمية والدينية ليس تضييقاً كما يريد بعض الكائدين للبحرين تصويره، بل حماية لهذه المنصات من الاستغلال.

المنبر الديني ليس مُلكاً لمن يقف فوقه، والمدرسة ليست مساحة خاصة للمدرس، والجمعية ليست دولة داخل الدولة، والنشاط الاجتماعي لا يمنح أحداً حق تشكيل جماعات ولاؤها للأشخاص أو التيارات أو الخارج قبل الوطن.

هنا خيار ما تفعله بلادنا حين تضع لهذه المساحات قوانين واضحة وحدوداً للممارسة، لأن حماية المجتمع تكون بمنع صناعة الضرر، قبل أن يقع.

المنبر الديني تحديداً يجب أن يبقى مُصاناً.

ديننا لم يأتِ لصناعة الكراهية بين الناس، ولا لتحويل المذاهب إلى متاريس سياسية، ولا لتقسيم أبناء الوطن بين مؤمن وخائن وموالٍ ومعاد بحسب الموقف السياسي. الدين الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق والاعتدال والوسطية لا يمكن أن يكون غطاء للتحريض أو لتوجيه الولاءات إلى الخارج.

ومن هنا يفترض أن نفهم بعض الصراخ الذي يظهر كلما اتخذت الدولة إجراء لتنظيم هذه المساحات. إذ مَن لا يستخدم المنبر للتحريض، لماذا يخشى تنظيمه؟! ومَن لا يستغل الجمعيات لصناعة التكتلات، لماذا يقلقه ضبط عملها؟! ومن لا يسعى إلى تجنيد الناشئة فكرياً وسياسياً، ما الذي يزعجه في وضع قواعد تحميهم؟!

المسألة واضحة. إذ مَن اعتاد أن يجد في غياب التنظيم مساحة للعمل سيعتبر القانون خسارة له. ومن اعتاد استخدام الدين أو المذهب ورقة سياسية سيحبطه أن تُسحب هذه الورقة من يده.

ومن بنى حضوره على القدرة على الوصول إلى عقول الشباب بعيداً عن الرقابة والمساءلة، سيعتبر أي حماية لهذه العقول تضييقاً عليه.

لدينا من التجارب ما يكفي لنعرف أن التحريض حين يترك بلا مواجهة تكون نتائجه خطيرة. يبدأ خطاباً، ثم يتحول إلى شحن، ثم إلى تقسيم، ثم إلى عداء، وفي مرحلة لاحقة يتحول إلى سلوك يدفع ثمنه الفرد والمجتمع معاً.

والأهم أن نفرق دائماً بين النقد والتحريض. النقد حق، والاختلاف طبيعي، ومساءلة الأداء العام أمر مشروع. لكن تحويل الوطن نفسه إلى عدو، وتربية الناشئة على كراهيته، وربطهم بولاءات خارج حدوده، واستغلال الدين والمذهب في هذا الاتجاه، ليست آراء سياسية حتى نختلف حولها، بل عملية استهداف ممنهجة لضرب أسس المواطنة.

الدولة التي تحترم مواطنيها تحمي حقهم في الرأي، وتحمي أيضاً عقول أبنائهم من الاستغلال. ولا تسمح بأن تتحول أماكن العبادة أو المدارس أو الجمعيات أو الأندية إلى مصانع صغيرة لإنتاج الكراهية.

أما الذين يغضبون كلما أغُلقت نافذة كانت تستخدم للتحريض، صدقوني، غضبهم هو أفضل دليل على أهمية إغلاقها، هو أكبر إثبات على أنهم كانوا يستغلونها أسوأ استغلال، ويعتبرونها منطلقات لضرب الوطن ولحمته الوطنية.

الوطن لا يحتاج إلى حمايته من الاختلاف، بل يحتاج إلى حمايته ممن يريدون تحويل الاختلاف إلى كراهية، والمنبر إلى أداة، والدين إلى غطاء، والشباب إلى وقود محرقة.

هذه الحرب، والاعتداءات الإيرانية الآثمة كشفت لنا الكثير والكثير، ومقابلها قامت البحرين بفضل الفكر الحصيف لجلالة الملك حفظه الله، قامت بضبط كثير من الأمور ووضعها في إطارها الصحيح، حماية لهذا الشعب، وصوناً لوحدته وانتمائه الوطني.