يعيش اليمن هذه الأيام مرحلة مفصلية ومهمة في تاريخها عنوانها الأبرز استعادة الدولة التي سرقتها ميليشيات الحوثي الإيرانية التي عاثت فساداً في البلاد، وجوعت الشعب، وأذلت الشرفاء، وفرقت الدولة التي لها مكانتها واحترامها. المعركة اليوم لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت واقعاً عسكرياً وسياسياً على كل الجبهات والحرب هي كر وفر. لكن في الوقت ذاته حققت القوات الحكومية اليمنية تقدماً وانتصارات تمهّد الطريق نحو صنعاء، وهو الهدف الأكبر، فهي قلب الدولة اليمنية ورمز سيادتها، فاستعادة العاصمة تعني استعادة مؤسسات الدولة وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من بناء اليمن، وإنهاء واقع فرضته ميليشيا مسلحة بقوة السلاح وأبقت البلاد طوال سنوات رهينة للفوضى والانقسام، في ترجمة للمشروع الإيراني الذي يصدّر الثورة الخبيثة لدول المنطقة من خلال أذرعها التي بدأت تنقطع واحدة تلو الأخرى.

إن ما يجري اليوم في الداخل اليمني، وإن كان شأناً محلياً، لكنه يحمل أهمية أكبر من حدود التراب اليمني؛ لأن أمن اليمن من أمن الخليج العربي، وأمن المملكة العربية السعودية تحديداً. فالجغرافيا لا تسمح بفصل ما يحدث في اليمن عن أمن السعودية ودول الخليج العربي. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة ذلك بوضوح، بعدما شنّ الحوثيون هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مدن ومنشآت سعودية، ما أدى إلى إصابة عشرات المدنيين واستهداف منشآت حيوية واقتصادية. ومن هنا، فإن تقدم الجيش اليمني واستعادة الأراضي أصبح ضرورة ويجب تحريرها من قبضة الحوثيين، فذلك لا يمثل انتصاراً عسكرياً يمنياً فحسب، بل يمثل خط دفاع متقدم عن أمن المنطقة. فكل شبر تستعيده الدولة اليمنية الشرعية يعني تراجعاً لمساحة الميليشيات، وكل موقع يخرج من سيطرتها يُضعف قدرتها على تهديد السعودية والملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب الذي تسعى الميليشيات وخبراء الحرس الثوري للسيطرة عليه، فهم من يتحكمون ويديرون الحرب ويوجّهون أذنابهم من الحوثة والمتحوثين لتحقيق هذه الأهداف.

إن تحرير صنعاء سيكون نقطة تحوّل تاريخية في اليمن والمنطقة، وهذا يتحقق من خلال وحدة الصف اليمني وتوحيد القرار العسكري والسياسي واجتثاث كل من يخون بلاده، بالإضافة إلى دعم الأشقاء، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، حتى يتحول التقدم الميداني إلى استعادة كاملة للدولة ومؤسساتها وسيادتها، فاليمن يستحق أن يعود إلى أهله وصنعاء تستحق أن تعود عاصمة لكل اليمنيين. أما أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، فسيظل مرتبطاً بقيام يمن قوي ومستقر، لا يكون ممراً للمشاريع الخارجية ولا منصة لتهديد جيرانه، وهذا ما عايشناه واقعاً، للأسف، حين انقلب الحوثي على الشرعية وسيطر على مناطق من البلاد، وكان مصدر تهديد إرهابي للسعودية وللخليج العربي وللمنطقة ككل، وأصبح يوجّه صواريخه ومسيّراته العبثية نحو المدنيين في نجران وجيزان وأبها، فهذه الميليشيات الإرهابية ما هي إلا أداة بأيدي سادتها في طهران التي تصدّر الشر لشعوب المنطقة.

همسة

كما قيل: «لابد من صنعاء وإن طال السفر»، ونحن نقول: لابد منها وإن طال الأمل، فحين تستعيد الدولة اليمنية عاصمتها لا ينتصر اليمن وحده، بل ينتصر أمن الخليج ويُغلق باب طالما دخلت منه الفوضى إلى المنطقة.