كلما نضجنا ومرّت بنا الأعمار، أصبحنا أكثر قدرة على التمعن في مساحات ما بين السطور، وفي الوقت ذاته نكون أكثر حذراً من أن نفسر كل الأشياء بحسب أهوائنا. ما زالت الرسائل الربانية تطرق أبواب قلوبنا كل يوم، على أكثر من هيئة، ومن بين ثنايا كل ميدان تطأ فيه أقدامنا؛ لترشدنا إلى معان كثيرة، وتنبهنا من غفلة كبيرة، وتحذرنا من شخوص كنا نعدّهم من «أطايب النفوس»، حتى كشفت لنا المواقف ما تضمره قلوبهم من غيظ وحسد وتذمر من أقدار المولى الكريم.
هناك العديد من الحقائق التي لا تحتاج إلى كلمات تفسرها، وهناك بعض الأشياء التي لا تُقال بوضوح حتى تصل إلى القلوب؛ ففطنتنا وحكمتنا ونضجنا غالباً ما تدفعنا إلى التقاط ما بين السطور، ونظراتنا المتعمقة التي هدتنا إلى دروب كثيرة، وكان لها فضل علينا من بعد فضل الله تعالى، كانت لنا مرشداً إلى الخير، وأيقظتنا من سبات عميق أهدر أعمارنا وأوقاتنا فيما لا فائدة منه.
عندما نتحدث عن لغة «ما بين السطور»، فإنما نتحدث عن علاقة تغيرت فجأة، وعن نبرة صوت تعالت، أو برود في المشاعر، أو اهتمام سابق غاب بعد أن كان حاضراً، أو قرارات حياتية أفرزت لنا نفسيات متعبة تجاوزت ردود أفعالها ميادين الحكمة. كما أن كل من تتعامل معه لا يبوح بمكنون نفسه دائمًا، بل إن انعكاسات شخصيته في المواقف تكشف لك العديد من الحقائق التي لربما تغافلت عنها يوماً، وأعطيت نفسك مساحات آمنة أخرى للعودة من جديد، ولكنك تكتشف أن «ما بين السطور» كانت صوراً قاتمة، لم ينتهِ أثرها القديم، بل تجددت بصور أخرى أكثر إيلاماً.
علّمتنا الحياة أن نجعل قلوبنا دليلاً ومؤشراً لقراءة ما بين السطور، ليس تفتيشاً في نوايا الآخرين، ولا تأويلاً لكلمات قيلت في ظروف معينة، وإنما حضوراً ذهنياً أكثر وعياً من أي فترة مضت؛ من أجل أن نركز أكثر على استثمار لحظات الحياة في الخير، فننهض سريعاً للإنجاز والإحسان والإبداع، فلا تخدعنا حينها كلمات جميلة منمقة تناقضها الأحاسيس الداخلية والأفعال الخارجية، ولا نظلم شخوصاً أحببناهم، ونسيء الظن بهم لمجرد كلمات تبادلتها بعض الشخصيات المريضة.
وأجمل ما تتأمله في ومضات ما بين السطور، عندما تقرأ كتاب الله الكريم وتتدبر آياته، وتقرأ الآية التي اعتدت قراءتها مرات ومرات، وكأنك تقرأها للمرة الأولى؛ حينها تتعمق في أحاسيسك وفؤادك معان كثيرة كنت في أمسّ الحاجة إليها، وربما غيّرت الكثير من واقعك في لحظتها، وأحسست أنك قرأت في معاني الآيات وتأملاتها ما بين السطور، فاستشعرت قصر الحياة، وأعدت من خلالها النظر في العديد من المساحات الفارغة التي لم تملأها بعد بالخير الذي تحبه، أو لربما أعدت من خلالها حسابات كثيرة، وعلاقات أكثر، وأعمالاً كنت تعتقد أنها قد تعمّق من تأثيرك في الحياة، ولكنك اكتشفت فيما بعد أنها مجرد أوقات فضولية مضت. معاني الآيات القرآنية لها تأثيرات كبيرة في النفس، وثمّة أشياء أخرى لربما لا تظهر في حينها، بل تظهر في أوقات أخرى من الأعمار.
قراءة ما بين السطور هي قراءة ذلك الصمت المطبق في نفسك، عندما تحتاج إلى أن تعود إليه، كلما أثقلتك الحياة، وكلما صُدمت من بعض المواقف التي جاءت عكس ما تتوقع، وكلما اكتشفت أن أقاويلك الحياتية وخبراتك المتراكمة كانت أحياناً لدى البعض مجرد «كلمات وعظية» لا أكثر، ولا تعكس حجم ما تتوقعه في الطرف الآخر، الذي تشبث بموقفه وآرائه الحياتية؛ فمن الصعوبة بمكان أن يتغير سلوكه الذي اعتاده، أو اعتاد أن يكون عليه في تعامله معك.
صمتك أحياناً هو الخيار السليم في مواقف كثيرة، تحتاج أن تبتعد عنها حتى تعيد مراجعة الحسابات، وتعيد نظرتك إلى الأمور، وصحة تعاملاتك، وخبراتك الناضجة. وتكتشف فيما بعد، وبعد تأملات في مساحات صمتك، أن هناك العديد من المواقف التي أضحينا نهرب من مواجهتها إلى واقع آخر صامت، له تأثير في الأمان النفسي لا أكثر، ولا يتعدى أثره إلى محيطات الحياة.
تأملاتك التي هربت من خلالها من الفوضى الفكرية والسلوكية في بعض المساحات، ومن الأسلوب الغوغائي في التعامل، ومن المحيط المزعج الذي أهلك طاقتك، هي بالفعل تأملات أعادت ترتيب أوراقك من جديد؛ فأضحيت من بعدها تؤطر لسلوك آخر، وتعامل آخر، وتغافل آخر، وبُعد آخر، تبتغي من خلاله سلامة محيطك الداخلي، وطمأنينة قلبك التي تبتغيها كلما دخلت محراب الصلاة، تناجي مولاك أن ينجيك من عبث الحياة، وأن يجعلك دائماً في حفظه وحرزه وأمانه.. أمان الله الكريم الذي ينجينا من تقلبات الحياة، ويكتب لنا الخير حيثما كان، ثم يرضينا به. الكريم الذي أكرمنا بحب ما عنده، وكتب لنا الأرزاق والأقدار التي لن تستكمل إلا حين تأتي ساعة الرحيل.
وعندما تقرر، بعد فترات من التأمل وقراءة «ما بين السطور»، أن تخلد إلى «الراحة النفسية»، وتتوقف عن خوض العديد من المعارك التي لا تستحق أن تهدر فيها وقتك، ولربما اعتدت من خلالها أن تكون بطلاً موجهاً، وواعظاً مبجلاً، وحكيم زمانه الذي اعتاد أن يبصّر من حوله بمردود الخير في الحياة، أو أن تحمّل نفسك ما لا تطيق، وتلاحق أثراً ظننت أنه الأجمل، عندما تتمنى أن تكون صورة خير في حياة كل من تحب؛ فإنك تقرر، كما كنت تحب من قبل، أن تكون كل تلك الأفعال خبيئة بينك وبين المولى الكريم، وأن تتصرف في بعض المواقف بمبدأ أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، حتى لا تُتعب نفسك كثيراً.ومضة أمل
عندما نقرأ ما بين السطور، نستذكر في كل حين قِصر الحياة، وأننا فيها كراكب استظل تحت ظل شجرة، ونستيقن أن الخير كل الخير إنما هو في فعل الخير، والإخلاص في الأعمال، والنية الصادقة المطهرة من الشوائب، وسؤال المولى الكريم البركة في الحياة، وحسن الصنيع، وحسن الخاتمة، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.