أجدني أميل إلى الدفاع عن الرئيس أنور السادات كلما جرى تقييم تجربته السياسية من منظور زيارته للقدس، من دون النظر في مجمل النتائج التي ترتبت عن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية.
بالنسبة إلى مصر. ويأتي هذا المقال في سياق التفاعل مع حلقة برنامج «محل نقاش»، التي قدمتها الأستاذة رشا نبيل، والتي تناولت السادات من منظور ضيوفها.
فالنقاشات المتعلقة بالرئيس السادات تكشف، في جانب منها، عن خلل بنيوي في منهجية قراءة التاريخ السياسي العربي؛ إذ يجري اختزال تجربة سياسية مركبة في حدث واحد، ثم إصدار حكم شامل عليها بمعزل عن سياقها التاريخي ومحدداتها الداخلية والإقليمية والدولية.
وقد تجلى ذلك في الحلقة المشار إليها، حيث تراوح النقاش بين إدانة مُسبقة للسادات من منظور الزيارة لا القضية الفلسطينية، او محاولة تبرئته انطلاقاً من المنظور ذاته.
إن اختزال تجربة السادات في زيارته القدس وليس إسرائيل وتوقيعه اتفاقية السلام ينطوي على تسطيح للوعي لا ينسجم مع مفهوم المسؤولية السياسية والوطنية.
فقد تولى السادات الحكم في ظل استمرار احتلال سيناء، وقرابة عقدين من مغامرات ناصرية فاشلة بدعوى الزعامة العربية، وتدهور اقتصادي، فضلاً عن اختلال موازين القوى على المستويين الإقليمي والدولي.
ومن ثم، فإن تقييم خياراته السياسية يقتضي تحليل الظروف التي أفرزتها، بدل فصلها عن سياقها وإخضاعها لمعايير لاحقة لم تكن حاضرة بالضرورة عند اتخاذ القرار.
وتُعد حرب أكتوبر 1973 محطة أساسية لفهم التحول في سياسة السادات؛ إذ أسهمت في استعادة المبادرة السياسية، وفتحت المجال أمام الانتقال من إدارة الصراع عسكرياً إلى استعادة الأرض.
ومن هذا المنظور، لا يصح التعامل مع الانتقال من الحرب إلى السلام باعتباره تخلياً تلقائياً عن مسؤولية إقليمية، بل ينبغي تحليله بوصفه خياراً سياسياً نتج عن تقدير لموازين القوى، والمسؤولية الوطنية، وللكلفة المحتملة لاستمرار الصراع.
غير أن ذلك لا يحول دون إخضاع الاتفاقية للنقد، ولا ينفي ضرورة بحث حدود مكاسبها وآثارها السياسية.
وتكشف هذه المسألة عن إشكالية أوسع في الوعي السياسي، تتمثل في ضعف إدراك مفهوم الواقعية السياسية.
فالواقعية لا تعني التخلي عن المبادئ أو التنصل من الالتزامات، وإنما تعني التمييز بين الأهداف والوسائل، وبين الممكن والمرغوب، وبين الخطاب والنتائج المترتبة عليه.
أما تجاهل هذه المستويات، فيحوّل النقاش من قراءة واقعية للخيارات والبدائل إلى محاكمة أخلاقية لا تختبر إمكانات الفعل السياسي، ولا تقيس كلفة كل خيار ونتائجه.
وفي هذا السياق، كان استدراك الأستاذة رشا نبيل على وصف أحد الضيوف عهد جمال عبدالناصر بأنه «حقبة مصر الكبيرة» استدراكاً مهماً من الناحية المنهجية.
فالتقدير السياسي والرمزي لعبد الناصر لا يلغي حقيقة أن مصر خرجت من عهده، فيما كان جزء من أراضيها لايزال تحت الاحتلال، كما بقيت الجولان السورية محتلة.
وتؤكد هذه الحقيقة ضرورة التمييز بين المكانة الرمزية للقيادات السياسية وبين الحصيلة التاريخية الفعلية لعهودها.
كما تكشف المقارنة بين موقف السادات والاتفاقيات التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل عن ازدواجية انتقائية هي أقرب للمثل المصري «خيار وفقوس».
فإذا كانت الاتفاقية المصرية تُناقش بوصفها تنازلاً سياسياً، فمن مقتضيات الاتساق المنهجي إخضاع الاتفاقيات الفلسطينية للمعيار النقدي ذاته، ولاسيما أنها لم تحقق للفلسطينيين حقوقهم الوطنية والسياسية.
وعليه، فإن تقييم تجربة السادات ينبغي أن تستند إلى تحليل متكامل للسياق التاريخي، والبدائل السياسية، والنتائج المترتبة على القرارات، بدل الاكتفاء بالإدانة أو التبرئة.
فالمشكلة لا تتمثل في اختلاف المواقف، والسياسة لا تُقاس بالنوايا المجردة، وإنما بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج قابلة للتحقق.
وقد أضيف؛ أين انتهى الحال بقادة دول الصمود والتصدي الكبار أو دولهم من بعدهم.
رحم الله الرئيس محمد أنور السادات، فهو لايزال حاضراً في حين رحل ناقدوه.