في أحد أيام الأسبوع الماضي، وبينما كنت أنتظر في سيارتي وصول باص المدرسة عند المحطة لأصطحب ابنتي، كانت بالقرب مني سيارات أخرى لأولياء أمور ينتظرون الشيء نفسه، الكل في وضع الانتظار ذاته، وتمر أمامنا حافلات مدارس مختلفة، ابتدائية ثم إعدادية، بنات ثم أولاد.
حان وقت وصول طلاب المرحلة الثانوية، فوصلت إحدى الحافلات، وأنزلت مجموعة من الطالبات عند دوار الحي، لكنها لم تكن الحافلة التي أنتظرها، فهي لمدرسة أخرى. تفرقت الفتيات كل واحدة في اتجاهها، وكانت من بينهن فتاة تسير نحونا، وللوصف لا للانتقاد فقط، كان مريولها المدرسي يصل تقريباً إلى نصف ساقها، وشعرها سافر، وقد وضعت بعض مساحيق التجميل البسيطة.
ما إن اقتربت من مجموعة السيارات الواقفة حتى لفتت انتباهي السيارة التي تقابلني تماماً، حيث كان بها رجل ينتظر ابنته. لاحظته يمعن النظر في اتجاهها، فقلت في نفسي ربما ينظر فقط إلى جهة قدوم الفتيات. لكن ما إن وصلت أمام سيارته حتى وجدته يوجّه نظره نحوها مباشرة، ثم انعطفت يساراً فالتفت هو يساراً تبعاً لها، حتى ابتعدت وأصبحت خلف مستوى رؤيته، فوجدته يركّز على المرآة الجانبية ليتابعها.
قلت في نفسي ربما أسأت الظن، وبالغت فيما اعتقدت، ويمكن أن يكون ما ظننته غير صحيح. تحركت بسيارتي واقتربت منه، وقلت له بلا مقدمات «تعرف البنت؟» فقال «أي بنت؟» قلت «التي كانت تسير قبل قليل بالقرب من سيارتك»، فقال «لا»، فقلت له «لماذا تنظر إليها بهذا الشكل؟» هنا قال أول شيء لا دخل لك، وثاني شيء من قال لك إنني كنت أنظر إليها.
قلت له منذ نزولها من الحافلة، وأنت تمعن النظر إليها حتى أصبحت خلف سيارتك. هنا قال كلمة تأكدت بها أنني كنت على حق، قال «مب شغلك». قلت له إن البنت في عمر بناتك، وأنت واقف تنتظر باص الثانوية، وأكيد عندك بنت في عمرها، والمفروض أن تكون أكثر إنسان يخاف على بنات بهذا العمر ويعتبرها ابنته. فأجابني بجملة صادمة «بناتنا مستّرات، ما يطلعن بهذا الشكل السافر».وصل باص ابنتي في تلك اللحظة، فلم أشأ إكمال الحوار مع رجل أعطى لنفسه الحق في تصنيف الناس وترتيبهم بحسب قناعاته الخاصة.
نعم، كانت تلبس ما تلبس وتُظهر ما تُظهر، لكن هذا الأمر عائد لها ولوليّ أمرها. نحن مأمورون بالنهي عن المنكر، وقبل ذلك مأمورون بغض البصر، وبحسن الظن بالناس. كشفها لشعرها أو قصر ملابسها لا يعني أنها فتاة سيئة، ولا أنها سبب يبرر التحرش بها.
ما حصل هو تحرش وسقوط للمروءة. الرجولة تقتضي أن تنظر لهذه الفتاة كما تنظر لابنتك، تخشى عليها وتحسن الظن بها، لا أن تجعلها مادة للاستمتاع البصري.
هنا رسالة أوجهها لوزارة التربية والتعليم، أعلم أن الأمر ليس سهلاً، وأن أعداد الطالبات كبيرة وتنظيم المحطات فيه صعوبة، لكن لماذا لا تكون محطات نزول الطالبات أقرب ما يمكن لمنازلهن، إن لم يكن بالإمكان إيصالهن إلى باب البيت؟ فمسافة الشارع هذه، مهما بدت قصيرة، كافية لتعريض ابنة أحدهم لنظرة أو موقف لا يليق.
ورسالة أخرى أوجهها لأولياء الأمور وللمربيات الفاضلات في المدارس، لا بد أن تكون هناك توعية وتحذير مستمر للفتيات بملاحظة أي سلوك سلبي في الشارع، ولا يجب أن تسكت الفتاة عن أمر أحست فيه بتعدٍّ أو تحرش. يجب أن نفهّمهن كيف يحمين أنفسهن، وأن هناك جهات وأطرافاً جاهزة لنصرتهن ومساندتهن.
فإن لم يردعك الدين عمّا تقوله وتفكر فيه، فليردعك باب الشيم والرجولة. وإن لم يكن هذا كافياً أيضاً، فلا أملك إلا أن أقول اللهم أعنّا على هؤلاء المرضى والساقطين.