تسابقت مؤسسات كثيرة، سواء على المستوى الحكومي، أو في القطاع الخاص، إلى وضع واجهة لشخصية افتراضية في مواقعها الإلكترونية وتطبيقاتها، للرد على استفسارات الزبائن. وشهدنا خلال السنتين الماضيتين صوراً وحركات لشخصيات نسائية وذكورية «افتراضية» أعلنت عنها، بفخر، بعض البنوك والشركات، وكأنها وصلت إلى قمة الحلول لأعتى المشكلات.

لكن، ومن منطلق تجربة شخصية في التعامل مع هذه الشخصيات «الهلامية»، أستطيع أن أؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، أن مثل هذه المشروعات تنتهي في كثير من محادثاتها مع الناس بالطلب المعتاد: «التحدث إلى موظف». وبهذا نستطيع القول إن الإنسان سيظل هو المرجع النهائي للرد على الأسئلة وحل المشكلات التي تتنوع وتتشعب بالنسبة للزبون، ولا يستطيع الكائن الافتراضي حلها.

وقصتي بدأت حين دخلت إلى أحد المواقع الإلكترونية لمؤسسة ما، للاستفسار عن مشكلة واجهتني في ربط بريدي الإلكتروني ورقم هاتفي بتطبيق المؤسسة. فظهرت لي الآنسة «&*%$#@» الافتراضية، وهي تبتسم وتسألني عن المشكلة. فانشرح صدري بابتسامتها، وشرحت لها المشكلة، فقامت بالرد السريع بمنحي خيارات ليس لها علاقة بما تحدثت معها بشأنه.فرجعت إليها مرة أخرى لأعيد تفسير مشكلتي بطريقة أخرى، علّها تفهم ما أريد، فما كان منها إلا أن أعطتني نفس الخيارات المتاحة.

وبعد محاولات للوصول إلى حوار عقلاني بيني وبينها، والبحث عن مسار لغوي تستطيع من خلاله فهم ما أردته، لم أجد منها إلا تلك الابتسامة الاصطناعية والردود الجاهزة لحزمة من الخيارات العقيمة التي لا تحل المشكلة.

السؤال الذي طرأ في ذهني حينها: إن مشكلتي بسيطة، ولا تحتاج إلى تفكير عميق من الآنسة «&*%$#@»، فماذا لو كانت هناك استفسارات أكثر عمقاً حول علاقتي بتلك المؤسسة، خاصة إذا كانت تتعلق بحسابات وعقود ومشتريات ومبيعات وأموال وفواتير؟ فهل ستتمكن الآنسة من الرد عليها؟ وهل إذا لم أكن مقتنعاً بهذا الرد، فماذا سيكون رد فعلها لمحاولة إقناعي أو حل مشكلتي؟ وهل وضعت المؤسسة حلولاً لمثل هذه المشكلات المتكررة يومياً وبالعشرات، في حال عجزت الآنسة الافتراضية عن الحل؟

الإجابة كانت في الخيار الأخير الذي ورد ضمن الإجابات، وهو «التواصل مع موظف». وبالفعل قمت باختياره، وتحدثت إلى إنسان مثلي، يسمع ويفهم ويحاول إيجاد حل للمشكلات غير المعتادة، وفي نهاية المطاف انتهت المشكلة.

مثل هذه الاختراعات قد تضيع على الناس أوقاتاً ثمينة هم في حاجة إليها لإنهاء معاملة مهمة، وقد تضع المؤسسات في موضع سخرية من الزبائن. وبدلاً من الفخر بإنجاز تقني كبير، ستجد المؤسسة نفسها أمام مشكلة فقدان ثقة الزبون في تعاملاته معها، خاصة أن المفترض من هذه الأدوات أن تخلق لدى المستخدم توقعاً بأنه يتحدث مع كيان قادر على الفهم والتفاعل، بينما هو في الحقيقة يتعامل مع نظام جامد ومحدود.

نحن على يقين بأن هذه الأنظمة وجدت بهدف تقليل الضغط على قنوات التواصل البشرية، خصوصاً في أوقات الذروة أو الأزمات، عبر تحويل جزء من الاستفسارات البسيطة والمتكررة إلى نظام آلي. ولكن هناك حلولاً طبقتها حكومات وشركات كبيرة للرد على الاستفسارات، بواسطة أشخاص يعملون في دول أخرى وبأجور أقل كلفة. فعندما يتصل مواطن أوروبي بشركة أو بنك، قد يتلقى رداً على استفساراته من شخص آخر في أفريقيا أو آسيا، دون أن يدرك ذلك.

لذلك، أدعو المؤسسات التي تفتخر بإطلاق الموظف الافتراضي والآنسة الاصطناعية إلى مراجعة هذه التجارب، وسؤال العملاء عن جدواها وقدرتها على حل المشكلات والرد على الاستفسارات العميقة. فهذه الأدوات، حتى اليوم، لا تواكب دائماً تطلعات البشر، وسيبقى الإنسان هو صاحب الرد الشافي والوافي والمقنع للمتسائلين.

* قبطان - رئيس تحرير جريدة «ديلي تربيون» الإنجليزية