الإرادة الملكية السامية عندما تتعانق مع رؤية الوطن وشعبه الكريم المحب والمخلص لقيادته وأرضه وهويته وإرثه العظيم، يتولد من خلال هذا التلاقي وهذا العناق الوطني مشروع عظيم، وهذا المشروع تَمثّل في رؤية سامية قادها حضرة صاحب الجلالة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه منذ تولي جلالته مقاليد الحكم، وبدأ بانتقال متدرّج ومدروس نحو دولة المؤسسات والقانون والمشاركة الشعبية، ليأتي الخامس عشر من سبتمبر من كل عام الذي يحتفي من خلاله العالم باليوم الدولي للديمقراطية، لنحتفي نحن هنا في أرض المحبة والسلام والتعايش بنجاح تجربتنا الوطنية، التي أراد لها جلالة الملك المعظم أن تعبّر عن إرادة الناس، وترسّخ سيادة القانون وتعزّز المشاركة وتحمي الوحدة الوطنية.
اللبنة الأولى كانت مع ميثاق العمل الوطني الذي نعتبره وثيقة جامعة ومرجعية لمسيرتنا الديمقراطية، هذا الميثاق الذي حظي بتوافق شعبي واسع، مؤكداً أن العدل أساس الحكم، وأن المساواة وسيادة القانون والحرية والأمن والطمأنينة وتكافؤ الفرص من دعامات المجتمع التي تكفلها الدولة. وهنا كمنت خصوصية التجربة البحرينية، فديمقراطيتنا لم تكن صندوق اقتراع فقط، ولا مجلساً تشريعياً فقط، بل منظومة متكاملة تبدأ من الإنسان، وتستند إلى الدستور، وتعمل من خلال المؤسسات، وتحافظ في الوقت نفسه على ثوابت الدولة ووحدتها الوطنية.
لقد أسهم المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم في إعادة صياغة المشهد السياسي البحريني على أساس دستوري ومؤسسي من خلال الحياة البرلمانية، وإنشاء مجلسي النواب والشورى، وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات، وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في صناعة القرار الوطني، والأهم أن هذا المشروع لم يتوقف عند لحظة تأسيسية، فالبحرين أدركت أن الديمقراطية الحقيقية ليست مشروعاً يُنجز ثم يوضع على الرف، وإنما مسيرة النجاح تتطلب التطوير المستمر.
ومن هنا يأتي الدور المهم الذي يضطلع به صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء في ترجمة التوجيهات الملكية إلى سياسات وبرامج حكومية، تعزّز العمل المؤسسي، وتطوّر الأداء الحكومي وتدعم الشراكة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، بما يواكب احتياجات المجتمع وتطلعاته.
إن قوة التجربة البحرينية لا تُقاس فقط بعدد الانتخابات أو جلسات مجلس النواب والشورى، وإنما بمدى رسوخ ثقافة المشاركة في المجتمع، وهنا تصبح الديمقراطية مسؤولية الجميع؛ فالمواطن مسؤول عن ممارسة حقه بوعي، والنائب مسؤول عن تمثيل الناس بأمانة، والسلطة التنفيذية مسؤولة عن الاستماع والتفاعل والإنجاز، والإعلام مسؤول عن ممارسة دوره بمهنية وموضوعية، ومؤسسات المجتمع المدني تضطلع بشراكة فاعلة في التنمية الوطنية.
مملكة البحرين التي أرست دعائم رؤيتها القيادة الحكيمة لجلالة الملك المعظم، وبتواصل الحكومة برئاسة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بتطوير أدواتها ومؤسساتها وبرامجها بما يخدم المواطن ويعزز مسيرة التنمية، فهي عندما تحتفل باليوم الدولي للديمقراطية فإنها تنقل رسالة للعالم أجمع بأننا لم نصل إلى النهاية، بل نحتفل لنؤكد بأن مسيرة الإصلاح مستمرة؛ فالديمقراطية البحرينية ليست شعاراً نرفعه في الخامس عشر من سبتمبر، ثم نعود عنه في السادس عشر، بل إنها مسيرة وطنية بدأت بإرادة ملكية، وتعزّزت بتوافق شعبي، وترسّخت في الدستور والمؤسسات، وتواصل اليوم مسيرتها بالتطوير والعمل والإنجاز.
باختصار وفي يوم الديمقراطية، فإن أجمل ما يمكن أن نقوله ليس أن البحرين تمتلك تجربة ديمقراطية فحسب، وإنما أن البحرين اختارت أن تجعل من المشاركة الوطنية ودولة المؤسسات والقانون جزءاً من مشروعها لبناء المستقبل، فالديمقراطية في البحرين ليست يوماً في التقويم.. بل مسيرة وطن.