تخيلوا لو أن هذا الخبر مرتبط بالبحرين، وأن جهة بحرينية رسمية أعلنت إنشاء منصة إلكترونية لرصد من يعيشون في الخارج، ويهاجمون الدولة وسياساتها، ماذا كنا سنسمع؟!

سنشهد عويلاً لا يتوقف، وحملات تتحدث عن قمع الحريات وملاحقة المعارضين وانتهاك حقوق الإنسان، وستنطلق المناشدات إلى «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدولية وغيرها، وسيجري تسويق الأمر باعتباره دليلاً على أن البحرين، كما يزعم «خونتها»، لا تتحمل النقد وتطارد المختلفين معها حتى في الخارج.

لكن الخبر لا علاقة له بالبحرين إطلاقاً. الخبر من إيران.

وسائل الإعلام الإيرانية أعلنت بالأمس بدء عمل منصة تحمل اسم «علاج»، مهمتها رصد من أسمتهم بـ«الخونة المقيمين في الخارج» والتعرف عليهم وملاحقتهم.

والأمر لا يتوقف عند جمع المعلومات، إذ تتحدث المنظومة عن سلب امتيازات مرتبطة بالمواطنة، وقطع أو تقييد الوصول إلى خدمات وأموال ووسائل إعلام، وتدعو الإيرانيين أنفسهم إلى إرسال معلومات عن هؤلاء عبر الموقع الإلكتروني وحسابات مخصصة، مع ضمان بقاء هوية المبلغين سرية ومشفرة. والشعار الذي رافق الإعلان كان «خيانة إيران لها ثمن».

النظام الإيراني لديه تاريخ طويل في تغيير نطاق المصطلحات، وعمل على تحويل المعارضة السياسية أو النقد الإعلامي أو حتى التعبير في وسائل التواصل الاجتماعي إلى تهم تتصل بالأمن القومي والتعاون مع الأعداء والخيانة.

منظمة العفو الدولية قالت في مايو الماضي إن قائد الشرطة الإيرانية أعلن اعتقال أكثر من 6500 شخص منذ بدء الحرب في 28 فبراير، ووصف المعتقلين بـ«الخونة والجواسيس».

المنظمة أوضحت أن الاتهامات التي طالت بعض المقبوض عليهم شملت نشر محتوى عن الحرب، وإبداء آراء سياسية، وإرسال صور إلى وسائل إعلام خارجية، أو ما تصفه السلطات بنشر أخبار وشائعات وإهانة رموز الدولة. كما تحدثت عن اعتقالات طالت صحفيين ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومعارضين.

القصة لا تقف عند حدود إيران. اليوم نفسه الذي يتوسع فيه الحديث عن منصة «علاج»، صدر تحذير مشترك من بريطانيا والولايات المتحدة وهولندا بشأن برمجيات تجسس مرتبطة بجهات إيرانية تستهدف معارضين ونشطاء وصحفيين، عبر محاولات اختراق ورسائل احتيالية للوصول إلى بياناتهم واتصالاتهم.

بل إن أوروبا عرفت قبل سنوات نموذجاً أخطر. ففي عام 2021 أدانت محكمة بلجيكية دبلوماسياً إيرانياً وحكمت عليه بالسجن عشرين عاماً بعد إدانته في مخطط لتفجير تجمع للمعارضة الإيرانية قرب باريس عام 2018.

القضية وصلت إلى القضاء الأوروبي، وانتهت بإدانة جنائية في مخطط إرهابي استهدف تجمعاً سياسياً.

هنا أتوجه تحديداً إلى أولئك الذين جعلوا من الخارج منصة دائمة للهجوم على البحرين، وبعضهم انحيازه السياسي إلى إيران ودفاعه المستمر عن نظامها ومشروعها واضح وجلي.

منهم من يقدم نفسه ناشطاً حقوقياً ومدافعاً عن حقوق الإنسان، ويطالب العالم بأن يسمع صوته كلما أراد توجيه اتهام إلى البحرين. الاختبار أمامكم اليوم بسيط جداً.

حقوق الإنسان لا تعني الدفاع عن الإنسان حين يخدم موقفك السياسي فقط. إذا كنت حقوقياً فعلاً، فعليك أن تدافع عن الإيراني الذي ينتقد نظام بلاده كما تزعم أنك تدافع عن البحريني الذي ينتقد حكومته.

وعليك أن ترفض إنشاء منصة تجمع أسماء المعارضين في الخارج، وتدين التهديد بحرمانهم من امتيازات المواطنة والخدمات والأموال، وتعترض على تحويل الناس إلى مخبرين يبلغ بعضهم عن بعض.

أين أصواتكم؟! أين البيانات العاجلة؟! أين الحملات؟! أين مخاطبة المنظمات الدولية؟ أين الحديث عن حرية التعبير وحق الإنسان في معارضة حكومته من الخارج؟!

هذه المواقف تكشف الفارق بين ناشط حقوقي «حقيقي» وبين ناشط «مزيف» يستخدم حقوق الإنسان أداة سياسية ضد وطنه. الذي يصمت حين تفعل إيران ما كان سيقيم الدنيا لو نسب إلى البحرين، لا يستطيع بعد ذلك إقناع أحد بأن مشكلته كانت يوماً مع «انتهاك حقوق الإنسان»؛ مشكلته ببساطة هي مع البحرين.

الأكثر سخرية أن مَن اعتادوا الغضب من وصفهم بالخونة حين يهاجمون البحرين، ويبررون لإيران سيجدون اليوم أنفسهم أمام نظامهم المفضل نفسه وهو يستخدم المصطلح بكل وضوح ضد إيرانيين يعيشون في الخارج.

إيران هي التي تقول إن هناك «خونة في الخارج»، وهي التي تنشئ منصة لرصدهم، وهي التي تدعو الناس إلى الإبلاغ عنهم، وهي التي تعلن أن الخيانة لها ثمن.

أما البحرين فلم تنشئ منصة كهذه، ولم تدعُ مواطنيها إلى مطاردة مَن يهاجمونها ومن خانوها في أوروبا والإبلاغ عنهم في موقع إلكتروني.

وعليه فإن «علاج» نافذة صغيرة تكشف طبيعة النظام الإيراني كله.

نظام يستطيع أن يتحدث عن حقوق الشعوب حين يريد مهاجمة الآخرين، لكنه لا يحتمل داخل بلاده أو خارجها صوتاً إيرانياً يعارضه. ويتحدث عن السيادة حين تخدمه، ثم يلاحق خصومه خارج حدوده حين تعارض أصواتهم مشروعه.

من يريد معرفة حقيقة حقوق الإنسان في إيران لا يحتاج إلى دعاية مضادة. يكفي أن يفتح تقارير المنظمات الحقوقية نفسها التي يستشهد بها أعداء البحرين صباح مساء، ويقرأ ما وثقته عن الاعتقالات والتعذيب والاختفاء القسري والمحاكمات والإعدامات في إيران.

ثم ليسأل أصحاب الضجيج الحقوقي «الزائفين» الذي يحسبون أنفسهم على البحرين: هل ستدافعون هذه المرة عن حقوق الإنسان، أم أن الذي تقمعه إيران لا يدخل في تعريفكم لحقوق الإنسان؟!