بدون أيّ خجل أو استحياء، وبدون أيّ احترام لمشاعر ملايين المسلمين الذين ترتفع مِنْ حناجرهم أصوات: «لبيك اللهم لبيك»، وبعيداً عَنْ مراعاة قدسية الكعبة المشرفة وبيت الله الحرام، وعنْ حرمة هذه الأرض المباركة التي ينتمي كلّ شبرٍ منها إلى تاريخ الإسلام وحضارته، يطلّ علينا مفتي جماعة الحوثي في تعز بتصريحات عن استهداف الحرمين الشريفين، في محاولة لتبرير الاعتداء الآثم على مكة المكرمة بطائرة مسيّرة، تصدّت لها قوات صقور السعودية قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة.

إن هذا العمل الجبان، بما يحمله من دلالات خطيرة، وما ينطوي عليه من محاولة للاعتداء على حرمة المكان وقدسيته، يثير ألماً عميقاً في نفوس المسلمين، ويدعوهم إلى الدفاع عن مقدساتهم، كما أشار إلى ذلك شاعر الشرق العلامة محمد إقبال، في قوله:

كونوا أمةً واحدةً، أيها المسلمون، لحماية الحرمممتدين مِنْ سواحل النِيل إلى أرض كاشغر.فمحبة البيت العتيق وتعظيمه راسخان في وجدان المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ فمن إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً، ومن شرق إفريقيا جنوباً إلى بلاد القوقاز وآسيا الوسطى شمالًا، يقف المسلمون يدًا واحدةً وقلباً واحداً دفاعاً عن الحرم، فهو عنوان مجدهم، ومظهر عزتهم، ونبراس طريقهم.

رمزُ الخلودِ وكعبةُ الإسلامِكم في الورى لكِ من جلالٍ سامِيهوي البناءُ إذا تقادمَ عهدُهُوأراكِ خالدةً على الأيامِ

نعم.. هنا مكة المكرمة، هنا أوّل بيت وضع للناس، هنا المقدسات والمعالم، وهنا المشاعر والمناسك. هنا مقام إبراهيم والحجر الأسود، هنا عرفة والمشعر الحرام، وهنا منى وجبل النور. هنا نزل الوحي وتردّد جبريل، وإلى هنا تتجه قلوب المسلمين، وتلتقي أرواحهم على اختلاف أوطانهم وألسنتهم وألوانهم، خمس مرات في اليوم والليلة.

ومن هنا، فإنّ أيّ تهديد لأمن الحرمين الشريفين لا يمكن أن يكون أمراً عابراً في وجدان المسلمين، بل يمسّ مشاعرهم في أعمق مواضعها، ويستحضر في الذاكرة صوراً من التاريخ، حين حاول أبرهة الأشرم أن ينال من بيت الله الحرام، فردّ الله تعالى كيده، وجعله عبرةً لمن بعده، وأنزل في ذلك قرآناً يُتلى إلى قيام الساعة، «فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ»، «الفيل: 5».

وليعلم السائرون على خطى أبرهة أن بيت الله الحرام له مكانة لا تضاهيها مكانة، وأن مكة قبلة التوحيد ومهوى أفئدة المؤمنين، الذين سيبذلون في سبيل أمنها وحماية مقدساتها الغالي والنفيس؛ فالدفاع عن أمن مكة وترابها وسمائها ليس قضية عابرة في وجدانهم، بل هو واجبٌ شرعيٌّ على كلٍّ بحسب استطاعته؛ فهي مهبط الوحي، ومهد الرسالة، ومصدر السكينة، ومنبع الأمان، والمكان الذي تهفو إليه القلوب قبل أن تطأه الأقدام، ورمزٌ لقوّة الإسلام وتوحيد الكلمة، وفيها تتجلّى أسمى معاني الحبّ والتآخي والتلاحم والتعاون:فإذا الحجيجُ توافدت أفواجُهموتزاحمتْ في البيتِ أيَّ زحامِأبصرتَ ثمَّ عُرى الإخاءِ وطيدةًوشهدتَ حقًّا قوّةَ الإسلامِ

شمعة أخيرةإن الاقتراب مِنْ بيت الله الحرام بسوء، وتعريض أمنه للخطر، وترويع زواره وقاصديه، أو مجرد إرادة الظلم والإلحاد فيه، أمرٌ عظيم، وموجبٌ للعذاب، وسببٌ للزوال؛ قال تعالى: «وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ»،«الحج: 25».