أظهرت الاقتصادات الخليجية، في ظل تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز، قدرة ملحوظة على الصمود والتكيف مع الاضطرابات التجارية واللوجستية. ولم يقتصر هذا الصمود على الإمكانات المالية المتاحة، بل ارتبط بفاعلية التكافل الخليجي في ضمان استمرارية تدفق السلع والخدمات، والحد من آثار تعطل مسارات التجارة والطاقة.
وقد أسهم الاكتفاء النسبي في بعض المنتجات الغذائية، ولا سيما اللحوم البيضاء والألبان والخضروات، في دعم الاستقرار الداخلي خلال الأزمة. غير أن هذا العامل، على أهميته، ينبغي أن يندرج ضمن إطار أشمل لتحصين مناعة الأمن الاقتصادي الخليجي، يقوم على تطوير البنية التحتية للنقل والموانئ والتخزين والتوزيع، بما يعزز من قدرة الاقتصادات الخليجية على امتصاص الصدمات الخارجية.
وتتطلب مرحلة ما بعد الحرب إعادة تقييم نماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص خليجياً، عبر توسيع التعاون بين القطاع الخاص والقطاع المالي والصناديق السيادية. فهذه الشراكة لا ينبغي أن تقتصر على توفير التمويل، بل يجب أن تتجه نحو تأسيس شركات ومشروعات استراتيجية، وتطوير أدوات تمويل مبتكرة، وتقديم الضمانات اللازمة للاستثمارات طويلة الأجل في كافة القطاعات ذات الأولوية.
ويُعد قطاع النقل والخدمات اللوجستية من أبرز المجالات القابلة لهذا النوع من التعاون. فقد أثبتت شبكات النقل البري ومراكز التخزين والتوزيع قدرتها على توفير بدائل عملية بعد تعطل الممرات البحرية، بضمان استمرار حركة السلع بين دول مجلس التعاون. ومن ثم، فإن الاستثمار في هذه القطاعات يمثل خياراً اقتصادياً وأمنياً في آن واحد.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تنفيذ مشروعات استراتيجية، مثل جسر الملك حمد بين السعودية والبحرين، وتوسعة جسر الملك فهد، بما يعزز الطاقة الاستيعابية للعبور ويرفع كفاءة حركة التجارة. كما تبرز ضرورة تطوير منظومة متكاملة للتخزين والتوزيع الاستراتيجي في ميناء الدقم العُماني، وربطها بشبكات الطرق والسكك الحديدية والمراكز الصناعية والأسواق الخليجية. وكذلك تطوير مبادرات متكاملة مع مشاريع الإمارات العربية المتحدة في توسعة موانئ الفجيرة.
تحفيز رؤوس الأموال الخاصة والقطاع المالي على الانخراط في برامج شراكات مع الحكومات الخليجية عبر التخصيص الجزئي والإدارة. ونجاح مثل تلك النماذج سيكون أحد أهم مسرعات استقطاب المستثمرين والمشغلين المتخصصين، بما يرفع كفاءة التشغيل، ويعزز موقعها في تجارة الترانزيت وإعادة التصدير. كما ينبغي تسريع مشاريع الربط الحديدي الخليجي، وتطوير خدمات الشحن الجوي، وتوسيع نطاق التخصيص النسبي في شركات الطيران والنقل والتوزيع، والنقل البحري والتأمين البحري.
ختاماً، إن تحصين المناعة الاقتصادية الخليجية يستلزم بناء منظومة مؤسسية متكاملة تجمع الحكومات والقطاع المالي والصناديق السيادية والقطاع الخاص. ومن شأن هذه المنظومة تحويل البنية التحتية والنقل والخدمات اللوجستية إلى أدوات استراتيجية تعزز الاستقلال الاقتصادي، ورفع القدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.