مع إطلالة اليوم الوطني السعودي، لا تحتفل البحرين بشقيق وجارٍ استراتيجي فحسب، بل تحتفل بنبضها الآخر وروحها الممتدة في عمق التاريخ والوجدان.
فطالما تفاخرنا بهذه العلاقات في قوالب الدبلوماسية، لكن الحكاية الحقيقية بين الشعبين كُتبت فصوله في ميدان الحياة اليومية، وحين نعود إلى جذور الذاكرة، نجد أن التلاحم بين البلدين كان دائماً يستمد قوته من رعاية القيادتين الحكيمتين، وامتداداً لروابط أزلية توثقت بذاكرة الأماكن الشاهدة على الأخوة الصادقة، كتلك اللقاءات التاريخية والوجدانية التي طالما جمعت القيادتين في قصر الصخير العامر بالبحرين وقصر اليمامة العامر في الرياض، لتكون تلك القصور الحاضنة الرسمية لقرار المحبة والمصير الواحد.
في ذاكرة الأيام، لم يكن البحر يوماً حاجزاً، بل كان ساعيَ بريدٍ أميناً؛ فقبل تشييد جسر الملك فهد الذي تحول اليوم إلى شريان حيوي عظيم ينبض بالحياة والتنقل المستمر، لعب النواخذة في «بوسطة» البحر دور شبكة تواصل مبكرة تنقل رسائل الود والأمانات بين ضفتي الخليج. واليوم، يتجسّد هذا الامتداد بأبهى صوره في التكامل التعليمي والمعرفي، حيث تتسع جامعات ومدارس البلدين لاستقبال الأبناء كأنهم في ديارهم، متبادلين مقاعد الدراسة وروح الأسرة الواحدة بلا استثناء.
وإذا ما يممّنا شطر مكة والمشاعر المقدسة، نجد أن رحلة الحج معراج روحي تتجلى فيه أصدق مشاعر الحب والاحتواء. قديماً عبر رمال العقير ومسارات الدمام، تقاسم الأجداد شربة الماء وانصهرت أرواحهم في «أخوة طريق» طاهرة. واليوم، تفتح أراضي «منى» وعرفة ذراعيها بكل حفاوة لاحتضان البحرينيين بشوق الأرض لأهلها، لتتحول خيام منى وسفر الإفطار الرمضانية الدافئة والنوافل تحت قبة الحرمين إلى حواضن حب تثبت أن قلب السعودية يتسع دائماً للبحرين وأهلها.
أما وجدان الكلمة والذائقة المشتركة، فقد تجاوز حدود المكان ليغدو نبضاً ينبض في كل زاوية من زوايا البلدين؛ إذ لم تقتصر الروابط على المجالس الأهلية في الرفاع وما جاورها بوصفها صالونات تتنفس الشعر النبطي وتنقل المساجلات العذبة بين نجد والشرقية والبحرين على وقع القصيد فحسب، بل امتد هذا الربط الأخوي ليتغلغل في تفاصيل اليوميات الشعبية، وتتطابق اللهجات، وتتوحد العادات، وتتداخل الأفراح والأتراح في ملحمة إنسانية فريدة؛ حيث يرى البحريني في تراب السعودية امتداداً لدار، ويرى السعودي في بحر الخليج وارف الألفة بيتاً ومستقراً.
وإننا اليوم، أمام هذا الإرث العظيم المتجذر في ضمير الأجيال، نتحمّل مسؤولية مضاعفة تستوجب علينا نقل هذه الأمانة وتوريثها للأبناء؛ لنتأكد من تشرّبهم لهذه الروح العالية والمحبة الصادقة، حتى يظلوا حراساً لهذا البنيان الأخوي المتين، يدركون أن ما يجمعنا ليس جغرافية عابرة، بل هو دم واحد، ومصير مشترك، ووجدان لا يتبدل.
إن السعودية بالنسبة لكل بحريني ليست مجرد امتداد جغرافي، بل هي امتداد حقيقي للروح والوجدان. وفي يومها الوطني الأغر، نعتز بهذا الإرث الذي يجعلنا عائلة واحدة تجمعنا محبة أبدية لا تنضب أبداً.
نقطتين..
على صعيد متصل، وفي كافة المناسبات التي تجمع أفراد البيت الخليجي الواحد، لا يسعنا إلا أن نثمّن الدور السياحي والترحيبي الرفيع الذي تضطلع به هيئة البحرين للسياحة والمعارض، وحملاتها الاحتفالية المتميزة التي تتزامن مع اليوم الوطني السعودي؛ إذ تعكس هذه المبادرات حرصاً مؤسسياً واحترافياً على ترجمة مشاعر الحب والأخوّة إلى برامج ميدانية نابضة بالحياة، تستقبل الأشقاء بحفاوة بالغة تعزّز من عمق الروابط المشتركة وتجعل من البحرين دائماً البيت الدافئ الثاني لأهلنا في المملكة العربية السعودية.