يمثل صدور المرسوم بقانون رقم (38) لسنة 2026 بشأن تعديل بعض أحكام نظام المحافظات خطوة إدارية ومجتمعية جديرة بالتوقف عندها، ولاسيما مع إعادة منصب «المختار» إلى منظومة المحافظات في مملكة البحرين.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا نحتاج إلى المختار في ظل التطور الكبير في أجهزة الدولة والتحول الرقمي وتعدد قنوات التواصل الحكومي؟
الإجابة في تقديري أن المختار، يمكن أن يمثل حلقة وصل إنسانية ومجتمعية مهمة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالتقنية تختصر المسافات، لكنها لا تلغي الحاجة إلى من يعرف طبيعة المجتمع المحلي، واحتياجاته، ومشكلاته، وأولوياته.
والنظام الجديد لا يعيد المختار بالصورة التقليدية، وإنما يضعه ضمن منظومة المحافظات؛ إذ يجيز تعيين مختار أو أكثر لكل محافظة بقرار من وزير الداخلية، من بين الأسماء التي يرشحها المحافظ المختص، لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، مع إحالة تحديد الاختصاصات والمهام إلى قرار يصدر عن وزير الداخلية.
ومن هنا تكمن أهمية المرحلة القادمة: في تعريف دور المختار تعريفاً عصرياً يتناسب مع مفهوم الحوكمة الإدارية.
فالمختار الحديث يمكن أن يكون أداة لرصد احتياجات الأهالي، ونقل الملاحظات إلى المحافظة، والمساهمة في تعزيز التواصل المجتمعي، ودعم المبادرات الوقائية والاجتماعية، دون أن يتحول إلى جهة بديلة عن المؤسسات الحكومية أو الأمنية أو البلدية.
كما أن نجاح التجربة يتطلب معايير دقيقة في الاختيار، أهمها الكفاءة، والنزاهة، وحسن السيرة، والقدرة على التواصل، ومعرفة طبيعة المنطقة وسكانها، إلى جانب الوعي بالقوانين والأنظمة. فالمختار ليس مجرد شخصية اجتماعية، وإنما عنصر ضمن منظومة إدارية ومجتمعية ينبغي أن تعمل وفق قواعد واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
إن إعادة نظام المخاتير يمكن أن تشكل فرصة لتعزيز الحوكمة المحلية، وتقريب الإدارة من المجتمع، واكتشاف المشكلات، وتحويل احتياجات الأهالي إلى معلومات تساعد صانع القرار على اتخاذ القرار المناسب.
وفي تقديري، فإن نجاح التجربة لن يقاس بعدد المخاتير الذين سيتم تعيينهم، وإنما بمدى قدرتهم على بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسة، وجعل صوت المجتمع أكثر حضوراً في عملية التطوير.
إن المختار في نسخته الحديثة ينبغي أن يكون عيناً على احتياجات المجتمع، وصوتاً ينقلها للمؤسسة، وجسراً يعزز الثقة بين الطرفين.