ربما ان حركة أنصار الله «الحوثي» تطرح عبر توزيع جهدها العسكري بين المجال السعودي والبحر الأحمر، والتفاوض المباشر مع إدارة الرئيس ترامب، سؤالاً يتجاوز تفسير دوافع التصعيد. فهل باتت الحركة ترى نفسها مؤهلة لإدارة معادلتها الإقليمية، لا الاكتفاء بموقع الرديف ضمن المعادلة الإيرانية؟ ووفق ذلك المنظور تبدو المسارات الثلاثة تعبيراً عن محاولة تخارج سياسي او استقلال نسبي يوازي ما راكمته من قدرة عسكرية.
وليس المقصود بالاستقلال مغادرة تخادمها مع طهران، وإنما إعادة تعريفه وظيفياً في حسابات الجماعة إقليميا. فثمة فارق بين فاعل يستمد موقعه من ارتباطه بقوة إقليمية، وآخر يستخدم ذلك الارتباط لتأكيد موقع يحدده هو لنفسه. والتحول المفترض هنا هو انتقال الحوثي من استثمار الرعاية الإيرانية في بناء القوة، إلى استثمار القوة في بناء مجال نفوذه وضمانات استدامته.
ففي المجال السعودي، يأخذ هذا الطموح شكل السعي إلى تجاوز حدود التمثيل المحلي. فالضغط على الرياض، ضمن رؤية الحركة، يستهدف تثبيت علاقة تكون الجماعة فيها طرفاً أصيلاً في أي تفاهمات مستقبلية يمنياً، لا طرفاً يمنياً تُحدَّد حصته داخل تسوية ترعاها قوى إقليمية. والمقصود إذاً، هو التفاوض على المكانة لا على المطالب وحدها.
أما في البحر الأحمر، فيوفر أداة لتوسيع الاعتراف بالحضور خارج نطاق الجوار الإقليمي المباشر. وقد أثبتت الحركة رغم استهدافها المباشر عبر عمليات عسكرية كبرى، أنها استعصت على التحييد دون عملية برية واسعة. فالقدرة على تهديد الملاحة يفرض إدراج الجماعة في حسابات دولية لا تتيحها سيطرتها النسبية في شمال اليمن. وبذلك تحاول تحويل موقع اليمن الجغرافي إلى مورد سياسي خاص بها، وتوظيف تهديد المصالح العابرة للحدود في رفع كلفة استبعادها من اي تفاهمات إقليمية او دولية مقبلة ما لم تحييد عسكريًا.
وتكشف «قناة» الوساطة في الاتصال المباشر بإدارة ترامب، بُعد اخر لهذا المسار. فالجماعة التي تضغط عسكرياً تسعى، في الوقت نفسه، إلى إثبات قدرتها على تخليق تفاهمات وضبط التصعيد. والأهم أن الاتصال بواشنطن يتيح اختبار إمكانية إعادة تأهيل الحوثي سياسيا «وربما أن إدارة ترامب تستلهم نموذج التفاوض مع طالبان أو قوى أصولية أخرى».
وإذ تتكامل المحاور الثلاثة بوصفها محاولة لإنتاج علاقة مباشرة بين امتلاك أدوات الضغط وانتزاع أحقية التفاوض «وفي ذلك كُلفة إقليمية». فالتصعيد مع المملكة العربية السعودية يمنح الحركة ثقلاً في تقرير أمن عموم شبه الجزيرة العربية، والبحر الأحمر يمنحها حضوراً دولياً، بينما تتيح الوساطة تحويل الضغط إلى مطالب قابلة للتدويل. والأقرب أن هذه هي البنية المحتملة لاستراتيجية الحركة، تتجاوز مجرد الاستجابة لمتطلبات الاصطفاف السياسي إقليميا.
غير أن (فرضية) تحرر الحوثي النسبي من حساب توازنات القوة إقليمياً لا يعني خضوعه لحسابات وطنية يمنياً، أو لحساب التوازنات الإقليمية طائفياً من منظورها الخاص.
والفرضية ذاتها تفرض السؤال التالي؛ قد تكون الحركة بصدد تخليق مجالها الإقليمي عسكريًا، وبمعزل عن التوازنات اليمنية أو تعدد أطرافها، فهل يملك الإقليم مهادنة يمننة النموذج او يمننة المشروع؟.