لم يَعُد الابتكار ترفاً فكرياً أو نشاطاً جانبياً، بل أصبح أحد المحركات الرئيسة للنمو الاقتصادي والتنافسية وتحسين جودة الحياة، بل ويمكن القول إننا قد انتقلنا بالفعل من الاقتصاد القائم على المعرفة إلى الاقتصاد القائم على الإبداع والابتكار.
ويُعد «مؤشر الابتكار العالمي» Global Innovation Index الذي تصدره سنوياً المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو) من الأدوات الدولية التي تحاول قياس قدرة الدول في مجالي الإبداع والابتكار. وعلى الرغم من أن مؤشر الابتكار العالمي ليس اتفاقية ملزمة للدول (حتى الآن)، ولا تترتب على نتائجه التزامات قانونية دولية، إلا أنه يُوفر مجموعةً واسعةً من البيانات والمؤشرات التي يمكن للدولة الاستفادة منها في تشخيص منظومة الابتكار، وتحديد أولوياتها، وقياس أثر سياساتها. ومن هنا، لا ينشغل هذا المقال بترتيب مملكة البحرين في كل مؤشر على حده، بقدر ما يسعى إلى تسليط الضوء على أهم ما يكشفه التقرير لتطوير منظومة ابتكار أكثر قدرة على تحويل المعرفة والموهبة والإبداع إلى قيمة وطنية مستدامة.
للاختصار، فإن مؤشر الابتكار العالمي يقيس منظومة الابتكار من خلال 80 مؤشراً، موزعة على محورين رئيسين: مدخلات الابتكار ومخرجاته. وتشمل المدخلات -على سبيل المثال- المؤسسات، ورأس المال البشري والبحث العلمي، والبنية التحتية، وتطور الأسواق والأعمال. أما المخرجات فتشمل مخرجات المعرفة والتكنولوجيا، والمخرجات الإبداعية، كما يُركز التقرير على جودة البيئة التنظيمية، والتعليم، والإنفاق على البحث والتطوير، والبنية الرقمية، وتمويل الشركات الناشئة، والتعاون بين الجامعات والصناعة، والمنشورات العلمية، والصادرات التقنية، والعلامات التجارية، والتصاميم الصناعية، وإنتاج التطبيقات والمحتوى الإبداعي. وتعتمد الويبو في ذلك على بيانات كمية ومؤشرات مُركبة واستطلاعات دولية، مستمدة من مصادر عامة وخاصة، من بينها المنظمات الدولية وقواعد البيانات العلمية والتقنية (يوفر الملحق الثالث للتقرير معلومات عن كيفية جمع ورصد بيانات التقرير).
في إصدار عام 2025، والذي جاء بعنوان «الابتكار عند مفترق الطرق» احتلت مملكة البحرين المرتبة العاشرة في منطقة شمال أفريقيا وغرب آسيا، ووضعها التقرير ضمن الاقتصادات التي حققت تقدماً ملحوظاً في ترتيب الابتكار منذ العام 2019. وتكشف النتائج عن جوانب قوة واضحة يمكن البناء عليها، فقد جاءت مملكة البحرين في المرتبة 15 عالمياً في البنية التحتية، والمرتبة 27 في المؤسسات، كما حققت المرتبة الأولى في الوصول إلى تقنية المعلومات والاتصالات، والمرتبة 11 في استخدام هذه التقنية، والمرتبة 23 في الخدمات الحكومية الإلكترونية. كما جاءت في المرتبة الثانية في البنية التحتية العامة، والسابعة في بيئة الأعمال، واستقرار السياسات الداعمة للأعمال، وسياسات وثقافة ريادة الأعمال. وهذه نتائج تعكس ما تتمتع به مملكة البحرين من بيئة مؤسسية ورقمية وتنظيمية داعمة توفرها حكومة مملكة البحرين برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء.
في الوقت ذاته، أشار التقرير إلى فجوة تستحق التأمل. فقد جاءت البحرين في المرتبة 41 في مدخلات الابتكار، مقابل المرتبة 94 في مخرجاته، بمعنى أن ما يُبذل من قبل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص من ممكنات وبيئة داعمة لم تتحول بعد، بالمستوى المأمول، إلى معرفة وتقنيات ومنتجات إبداعية ذات أثر اقتصادي. لتبسيط الصورة، فإن الأمر يشبه امتلاك مشروع جيد من ناحية التمويل والبنية، دون أن تنعكس هذه المزايا بالقدر نفسه على نتائجه النهائية.
كما يشير التقرير إلى وجود فرص للتحسين في مجالات مخرجات المعرفة والتكنولوجيا، وإنتاج المعرفة، والبراءات المحلية، والمقالات العلمية قياساً بحجم الاقتصاد، والتأثير العلمي، والعلامات التجارية والتصاميم الصناعية. وجاءت المنشورات العلمية المشتركة بين المؤسسات البحثية وقطاع الصناعة في مرتبة ضعيفة نوعاً ما، وهو مؤشر مهم يدل على الحاجة إلى تعزيز الشراكات البحثية الحقيقية بين الجامعات والمؤسسات الاقتصادية. بمعنى آخر، فإن ما يصدر من معرفة لا يتم الاستفادة منه اقتصادياً.. ما يعرف حالياً بـتتجير البحوث، (أي تحويل مخرجات البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية).
إن الخطوة التالية لمملكة البحرين—من وجهة نظر متواضعة—لا تتمثل في تحسين الترتيب بوصفه غاية في حد ذاتها، بل في تضييق الفجوة بين المدخلات والمخرجات من خلال زيادة الاستثمار المنتج في البحث والتطوير، وتحفيز القطاع الخاص على تمويله، وربط الجامعات بالصناعة، ودعم تسجيل البراءات والتصاميم والعلامات، وتحويل البحوث إلى منتجات وشركات وفرص عمل، والأهم من ذلك كله، نشر قيمة الإبداع من المراحل العمرية الأولى، فليس هنالك ابتكار دون إبداع، وهي الفكرة الأصيلة التي إن تأتت لها الظروف، ستقود إلى ابتكارات وريادة لمملكتنا الحبيبة على المستوى المحلي، الإقليمي والعالمي.
* أستاذ الموهبة والإبداع - نائب عميد كلية التربية والعلوم الإدارية والتقنية - جامعة الخليج العربي