مع بداية شهر سبتمبر الجاري، تصدّر مقطع فيديو متداول يظهر فيه وزير الاتصالات العراقي مصطفى سند وهو يستقبل بالأحضان القيادي الحوثي أحمد محمد يحيى الوشلي، المعروف بـ«أبو طه الوشلي»، في العاصمة بغداد، واللافت في الاستقبال أنه تضمن عبارات للوزير العراقي قال فيها نصاً: «ضرباتكم رفعت رأسنا.. والعزيمة اللي زرعتوها عنا.. هي مو قضية صاروخ، هناك عزيمة، هناك إصرار..».
هذا اللقاء شهد نقاشاً سياسياً في دول المنطقة وحتى العراق نفسها، وفتح باب التكهنات حول طبيعة العلاقة وحدودها بين دولة عربية شقيقة وجماعة مصنفة «إرهابية» تواصل عدوانها على دولة عربية «إسلامية» شقيقة وحتى على أبناء شعبها. ويطرح سؤالاً عريضاً حول دور «وزارة الاتصالات» العراقية ووزيرها الفخور بأعمال إرهابية عدائية ضد المملكة العربية السعودية الشقيقة، فهل كانت الوزارة.. أو حتى الحكومة في العراق تؤدي أدواراً لوجستية لتلك الجماعة الإرهابية.. ولماذا تصدّر المشهد وزير الاتصالات، في ظل هجمات تعتمد بشكل أساسي على تقنيات الاتصال في تحديد الأهداف؟
هذه الواقعة تستحق أن تُقرأ في سياق أوسع، يتعلق بمن يمنح الغطاء السياسي أو المعنوي لأعمال العدوان ضد دول الخليج العربي، وهل سيُحاسَب هذا الوزير على الدعم المؤكد للجماعة الإرهابية، فلا يمكن أن يوصف هذا اللقاء بالموقف الشخصي العابر، بل هو بالتأكيد يعبّر عن موقف مؤسسي تتحمل الدولة تبعاته، لأن الفارق الجوهري لا يكمن في مضمون العبارات وحدها، بل في صفة قائلها.
فحين يصدر هذا التصريح عن وزير في حكومة قائمة، وهو يستقبل قيادياً في جماعة مسلحة صنّفتها أطراف إقليمية ودولية عديدة ضمن الجماعات الإرهابية، وتنفذ هجمات موثقة استهدفت حتى مشاعر الأمة الإسلامية كلها، فإن الأمر يتجاوز حدود التعبير الفردي إلى منطقة الموقف الرسمي، سواء أراد ذلك أم لم يرد.
والعجيب في الأمر، أن الجدل الواسع الذي أثاره المقطع، والذي انتشر في الأوساط السياسية والإعلامية العربية واليمنية، لم يقابله -حتى الآن- توضيح رسمي حاسم من الحكومة العراقية لتنأى بنفسها عن هذا الموقف أو حتى توضح طبيعته، ولذلك فقد قرأ الجميع هذا الصمت السياسي على أنه تأييد ضمني، أو على الأقل عدم ممانعة، وهو ما يُحمّل الدولة العراقية، لا الوزير فحسب، وزراً سياسياً وأخلاقياً في نظر الرأي العام العربي.
استقبال أكبر مسؤول في قطاع الاتصالات بدولة لأحد الشخصيات، فيه دلالة واضحة على وجود علاقات متشعبة وسابقة بين الطرفين، فما كانت تلك الأحضان والابتسامات وعبارات الفخر والاعتزاز قادمة من فراغ، بل هي نتيجة وثمرة تعاون سابق في أعمال كثيرة ساهمت في الإضرار بمصالح دول المنطقة، وتسعى اليوم للإضرار بممر ملاحي جديد بعد فشل النظام الإيراني الإرهابي في فرض سيطرته على مضيق هرمز واختناقه اقتصادياً.
هذا اللقاء يؤكد على العلاقة المشبوهة التي تجمع أطراف العدوان، وإن كان العراق يحاول النأي بنفسه عن ذلك، إلا أن الأقنعة تسقط في لحظة ليظهر الوجه الحقيقي حتى لو طال الاختباء.
نحن نتمنى ألا تتورط العراق في هذا العدوان على دول المنطقة، فإننا لا نريد للعراق إلا أن يبقى كما عرفناه: دولة عربية إسلامية شقيقة، وجارة مسالمة، وصاحبة قرار يحفظ مصالح شعبها، ويعزز علاقاتها بأشقائها وجيرانها، ولا يسمح بأن تكون أراضيه أو مؤسساته ساحة لصراعات الآخرين.
نسأل الله للعراق وأهله الأمن والاستقرار، وللمنطقة كلها السلامة، وأن تبقى روابط الأخوة بين شعوبنا أقوى من خلافات السياسة وأزمات المرحلة.
* قبطان - رئيس تحرير جريدة«ديلي تربيون» الإنجليزية