كَثُرت في هذه الأيام أنشطة شركات السياحة والتي ترتب حملات للسفر للسياحة في الخارج، حيث تعلن هذه الشركات عن رحلات سياحية ويتقدم الزبائن للمشاركة عن طريق التوقيع على عقد يتضمن الخدمات التي ستقدمها الشركة للسائح، كتوفير التذاكر، والسكن، والمواصلات، والبرامج السياحية وغيرها، وتصلنا بين حين وآخر شكاوى من مستهلكين تعاقدوا مع شركات سياحية للسفر للسياحة في الخارج مع هذه الحملات، إلا أنهم اكتشفوا أن ما حصلوا عليه من خدمات خلال السفر لا يتطابق مع النصوص الواردة في عقد عند توقيع العقد.

وقد تكون المشكلة في بعض الحالات أن بنود العقد نفسها صيغت بعبارات عامة لا تحدد بصورة دقيقة طبيعة الخدمة أو حدود التزام الشركة بها، وهو ما يفتح الباب أمام اختلاف التفسير بين الشركة والزبون، وأحياناً يضعون جملة تعطي البند عمومياً مثل: «توفر الشركة فندق أربع نجوم بحسب ما يتوفر».

فلا يحدد اسم الفندق وموقعه ومستواه، فتذكر إحدى السائحات أن الشركة فاجأتهم بتوفر فندق يقع في موقع يتعذر وصول السيارة له مما اضطرهم لجر حقائبهم بأنفسهم للوصول للباص، وأخرى تقول إنهم فوجئوا بمستوى الفندق حيث يوضع على واجهة الفندق أن علامة أربع نجوم إلا أن مستواه الفعلي أقل بكثير، فلا مخدات كافية، ولا يوفر وجبات إفطار كافية بل حتى مستوى النظافة، وعندما تظلموا لدى المعنين في شركة السياحة أفادوا أن مستوى الفنادق في هذه المنطقة هو بهذا المستوى، والبعض بوفر باصات بها مقاعد لا تكفي عدد أعضاء الحملة.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في نماذج العقود المستخدمة في الخدمات السياحية، ليس بهدف التضييق على الشركات أو تحميلها التزامات غير منطقية، وإنما لضمان وضوح العلاقة التعاقدية منذ البداية، وحماية حقوق الطرفين على حد سواء.

فالمستهلك عندما يتعاقد مع شركة سياحية لا يشتري مجرد خدمة غامضة، وإنما يدفع مقابل خدمة يفترض أن تكون محددة المواصفات. ولذلك من حقه أن يعرف بصورة واضحة مستوى الخدمات التي سيحصل عليها مثل: اسم الفندق وموقعه ويقدم للسائح رابط الفندق في الموقع الإلكتروني للتعرّف على مستواه، ونوعية المواصلات، وتحديد قائمة الخدمات بوضوح.

إن وضوح العقد يحمي الشركة نفسها، لأنه يحدد بدقة نطاق مسؤوليتها ويمنع تحميلها التزامات لم تتعهد بها. فالعقد الواضح ليس أداة لحماية المستهلك فقط، بل هو وسيلة لتحقيق العدالة بين الطرفين وتقليل فرص النزاع وسوء الفهم.

ولذلك، فإن وجود نموذج موحد للعقود السياحية، تصدره أو تعتمد مضمونه الجهة السياحية المختصة، يمكن أن يمثل خطوة مهمة في تنظيم هذا القطاع. ولا يعني ذلك بالضرورة أن يكون العقد واحداً بكل تفاصيله لجميع الشركات والخدمات، وإنما يمكن أن يتضمن نموذجاً أساسياً إلزامياً يحدد البيانات والبنود التي يجب ألا يخلو منها أي عقد، مع ترك التفاصيل الخاصة بكل شركة أو خدمة ضمن حدود واضحة.

ومن المهم أن يتضمن هذا النموذج وصفاً دقيقاً للخدمة، ومدتها، وتكلفتها الإجمالية، وأي رسوم إضافية، والتزامات الشركة والمستهلك، وشروط الإلغاء والاستبدال والاسترداد، والحالات التي تعتبر إخلالاً بالعقد، إضافة إلى آلية التعامل مع الشكاوى والنزاعات، وتحديد آليات التخالص.

كما ينبغي أن تكون هناك ضوابط واضحة للعبارات العامة التي يمكن أن تحتمل أكثر من تفسير، خصوصاً عندما تكون مرتبطة بحقوق المستهلك أو بالتزامات الشركة. فعبارات مثل «حسب المتاح» أو «وفقاً للظروف» أو «الخدمة قابلة للتغيير» لا ينبغي أن تترك مفتوحة من دون تحديد المقصود منها والحالات التي يجوز فيها تطبيقها.

ونحو تطوير مستوى الخدمات حبذا تم لوضع نظام إلكتروني لتقييم الزبون لجودة خدمات الشركة السياحية، مما ينعكس على تقييم جودة أداء الشركة ومستوى تصنيفها، مما يؤثر على إقبال الزبائن على اختيار الشركة السياحية المتميزة.

إن حماية المستهلك لا تعني انتظار وقوع الضرر ثم إنصافه بعد تقدّمه بشكوى، بل تبدأ من الوقاية قبل وقوع الضرر، من خلال اتخاذ الإجراءات والتدابير التي تحميه من الاستغلال، وتضمن وضوح حقوقه والتزامات مقدم الخدمة، وتحدّ من الممارسات التي قد تمسّ مصالحه أو تضعه في موقف يصعب معه استرداد حقه. ودمتم سالمين.