في كل مقاهي الدول العربية –تقريباً- وقبل أن تغزو شاشات الهواتف عالمنا، كان الرجل يأتي بعد العصر أو المغرب فيطلب «استكان شاي» ويجلس إلى العشاء، يسمع أحداث البلد والعالم والماضي أيضاً من الناس، وربما ما يسمعه أعيد عليه مرات عديدة، أو ربما ينشغل بلعب الطاولة أو الدومينو أو يستمتع بمشاهدة من يلعبها، بعدها ينهض ويسلّم على الحاضرين ويمضي في طريقه إلى بيته راضياً. في تلك الفترة من الزمن لم يكن أحد ممن يجالسه يسأل سؤالاً من نوع: «شنو أنجزت اليوم؟» كما لم يكن يخرج من المقهى وفي قلبه غصّة لأنه «ضيّع» ثلاث ساعات، فالجلسة نفسها كانت عملاً يومياً، والسلام على الناس عملاً، والإصغاء إلى حكاية قديمة عملاً، وكانوا يسمّون ذلك «گعدة» وما كان في الكلمة عيب ولا نقص.
حتى تغيّر الحال وانقلب الميزان، فصارت عبارة «والله مو فاضي» صك براءة يقدمه الرجل بين يدي كلامه قبل أن يُسأل لماذا لا يظهر كثيراً، وأصبح الناس يعتذرون عن راحتهم كما يعتذرون عن تقصيرهم، وتبدلت جميع الأحوال حتى الكتاب الذي كان يُقرأ في شهر صار له «ملخص في سبع دقائق»، والرسائل الصوتية نسمعها بسرعة مضاعفة لأن صوت المتكلم الطبيعي صار بطيئاً على أعصابنا، والقيلولة التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا لم تعد مقبولة إلا إذا سميت «power nap»، وظهرت تطبيقات تحصي علينا ساعات نومنا وخطواتنا وأنفاسنا ثم تعطينا في آخر الأسبوع تقريراً نتفحصه كما يتفحص الموظف تقرير أدائه السنوي، حتى الإجازة صار لها جدول مزدحم، وحتى العطلة صرنا نعود منها أشد تعباً مما ذهبنا، فنقول –بلا أي إحساس بالسخرية– نحتاج إجازة نستريح فيها من الإجازة!
لاشكّ في أن إيقاع الحياة اليوم أسرع مما كانت عليها سابقاً، لكننا إذا فكرنا وتأملنا حقيقة ما يجري، سنجد أننا لا نعيش أسرع، نحن فقط لا نتوقف، والفرق بين الأمرين كبير، فالسرعة لها مقصد في النهاية سنصله، ثم نتوقف وننزل ونستريح، أما الحركة الدائمة التي نحن فيها اليوم، فلا مقصد لها، لأن مقصدها هي نفسها، أي أن نبقى في حركة دائمة لا نتوقف، لأننا إن توقفنا ساعة واحدة شعرنا أننا سقطنا من الحساب ونسينا الناس، ولهذا انتقل الشعور بالذنب من موضعه، الذي هو التقصير في الواجب، إلى غير موضوعه وهو الجلوس بدون عمل، فأصبح من يجلس للراحة يستحي من فعله، ومن لا يتوقف يتباهى بالإرهاق، ويعدّ السهر «إنجازاً» والنوم خسارةً في الميزان، ومن يقصر في واجبه لا يشعر بالذنب ويواجه نفسه ومن يعاتبه بأنه لم يتوقف عن العمل أساساً فليس ذنبه أنه قصر.
أنا لا أدعو إلى الميل إلى الكسل والراحة وتعطيل الأعمال، فبدون العمل لا يبنى ولا يتحقق شيء، لكني أعتقد جازماً أننا يجب أن نتحرر من هذه اللعبة النفسية التي أقنعتنا بأن قيمتنا في عدد ما نفعله لا في معنى ما نفعله.
* عميد كلية القانون – الجامعة الخليجية