رسالة تتجدد في زمن تتسارع فيه المتغيرات، وتتطور فيه التقنية بصورة غير مسبوقة، وتتبدل فيه أساليب الحياة والتواصل والعمل والتعليم، ولكن تبقى هناك قيم إنسانية لا تتغير، لأنها تمثل أساس المجتمعات وركيزتها الحقيقية. ومن أجمل هذه القيم أن نكرم من أعطى، ونحترم من علم، ونقدر من أفنى سنوات عمره في خدمة وطنه ومجتمعه.

ومن هذا المنطلق، تبرز مناسبتان تحملان دلالات إنسانية واجتماعية عميقة، اليوم الدولي لكبار المواطنين «كبار السن» الذي يصادف الأول من أكتوبر من كل عام، ويوم المعلم الذي يصادف الخامس من أكتوبر من كل عام أيضاً.

وقد تبدو المناسبتان مختلفتين في ظاهرهما، إلا أنهما تلتقيان في معنى واحد، معنى العطاء وبناء الإنسان وحفظ ذاكرة المجتمع.

فكبار المواطنين، سواء كانوا رجالاً أو نساءً، أنهم ليسوا مجرد قد بلغوا مرحلة عمرية متقدمة، بل هم أصحاب تجارب وخبرات طويلة، وذاكرة حية، وشاهدة على مراحل من التحول التي مرت بها الأسر والمجتمعات والوطن. وفي قصص كبار المواطنين الكثير من الدروس والعبر التي لا يمكن أن تتوفر في الكتب وحدها، فهم يحملون خبرات الحياة، وقيم الصبر والمسؤولية، وتجارب العمل والكفاح، وذكريات المجتمع قبل وصول مظاهر التطورات الحديثة.

أما المعلم، فهو الذي يقف في مقدمة عملية بناء الإنسان. فدوره لم يعد مقتصراً على نقل المعلومات فقط، بل أصبح شريكاً أساسياً في تشكيل شخصية الطالب، وتعزيز قدراته، وتنمية مهاراته وطرق تفكيره، ومساعدته للتعامل مع عالم سريع المتغيرات. وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، تتغير أدوات التعليم، لكن قيمة المعلم تبقى ولا تتراجع، بل تتخذ آفاقاً جديدة. فالتقنية تستطيع أن تقدم المعلومة بسرعة، ولكن المعلم هو الذي يساعد الطالب على فهمها وكيفية التعامل معها، وكيف يميز الصحيح من الخاطئ، وكيفية التعامل مع استخدامها بصورة مسؤولة، وتحويل المعرفة إلى سلوك ومهارة وقيمة.

وهنا تبرز العلاقة الجميلة بين كبار المواطنين والمعلم، فكلاهما يحمل رسالة تتجاوز حدود المهنة أو العمر. المعلم ينقل المعرفة إلى الجيل الجديد، وكبير السن ينقل التجربة والذاكرة والقيم إلى الأجيال. الأول يفتح أمام الطالب أبواب المستقبل، والثاني يعرفه الهوية وجذوره وماضيه، وبين المستقبل والماضي يتشكل وعي الإنسان المتوازن.

إن المجتمعات التي تحترم كبار مواطنيها، وتحافظ على مكانتهم، هي مجتمعات تدرك قيمة الخبرة والتجربة. كما أن المجتمعات التي تكرم معلميها وتدعمهم، هي التي تدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان.

ولذلك، فإن الاحتفاء بهاتين المناسبتين ينبغي ألا يكون مجرد كلمات أو فعاليات مؤقتة، بل فرصة لترسيخ ثقافة مستدامة تقوم على الاحترام والتقدير والتواصل بين الأجيال.

ومن المهم أن نعمل على إيجاد مساحات يلتقي فيها كبار المواطنين بالطلبة والمعلمين، في المدارس والمراكز المجتمعية والفعاليات الوطنية، ليحكي كبار السن تجاربهم وذكرياتهم، وليستمع إليهم الشباب والطلبة، لكي يعرف الجيل الجديد كبار المواطنين بما وصل إليه العالم من تقنيات ووسائل حديثة.

وهنا يمكن للتقنية نفسها أن تكون الجسر الموصل بين الأجيال، ولا حاجزاً بينهم. فمن الممكن توثيق ذكريات كبار المواطنين بالصوت والصورة، وتحويل قصصهم وتجاربهم إلى مواد تعليمية وتراثية مرتبطة بالهوية الوطنية وخرطها في المناهج التعليمية لكي يستفيد منها الطلبة، وأن يشارك المعلمون في تقديم هذه التجارب ضمن برامج تعليمية تعزز الهوية والانتماء الوطني والوعي بتاريخ المجتمع.

مملكة البحرين تتميز بتاريخ اجتماعي ووعي ثقافي غني، تزداد أهمية هذا التواصل بين الأجيال، لأن الحفاظ على الهوية الوطنية لا يكون فقط بحفظ المباني والمقتنيات التراثية، وإنما أيضاً بحفظ ذاكرة الإنسان البحريني وقصصه وتجاربه.

ولعل أجمل ما يمكن أن نخرج به من هاتين المناسبتين، ألا نجعل سرعة التقنية تنسينا قيمة الإنسان.

رحمك الله يا أبي يا والد الجميع يا من علمتنا من هو المعلم، وتركت فينا أثر المعلم الجميل، فالمعلم هو المخلص الناصح الأمين، رحم الله من مات وأطال الله في عمر الباقين ورزقهم الصحة والعافية.

شكراً لوزارة التربية والتعليم، ووزارة التنمية الاجتماعية، على كل ما يقدمونه من خدمات جليلة للطلبة والمعلمين والهيئات الإدارية في كل صرح تعليمي أكاديمي، ولكبار المواطنين، في عهد سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى

آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم، وبدعم من سيدي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء وحكومته الرشيدة.

* محلل سياسي وخبير استراتيجي