التقاعد حق مشروع، وقد يكون في بعض الحالات خياراً مناسباً للموظف والمؤسسة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التقاعد المبكر إلى نتيجة للتهميش، أو إلى وسيلة للتخلص من الكفاءات والخبرات التي مازالت قادرة على العطاء.
فالوطن لا يخسر موظفاً عند تقاعده المبكر فحسب، بل قد يخسر معه سنوات طويلة من الخبرة والتجربة والمعرفة المتراكمة في تخصصه. وهذه الكفاءات لم تصل إلى ما وصلت إليه من علم وخبرة بسهولة؛ فقد أنفقت الدولة والمؤسسات عليها الكثير من الوقت والمال في التعليم والتدريب والتأهيل، وكان من المفترض أن يأتي وقت الاستفادة من هذه الخبرات وتوظيفها في تطوير الأداء وتحسين الخدمات وزيادة الإنتاج.
والأكثر إيلاماً أن بعض الكفاءات لا تختار التقاعد المبكر؛ لأنها فقدت الرغبة في العمل، وإنما لأنها فقدت الثقة بأنها مازالت مطلوبة، أو شعرت بأن خبرتها لم تعد محل تقدير، وأن فرص المشاركة وصُنع القرار أصبحت محدودة أمامها.
وهنا يتحول التقاعد المبكر إلى منفذ للخروج بدل أن يكون قراراً طبيعياً لنهاية مرحلة وظيفية. والسؤال الذي يستحق أن يُطرح بصدق: هل نحن أمام مشكلة في الكفاءات، أم في طريقة إدارة الكفاءات؟
فالكفاءة التي لا تجد من يستمع إليها أو يمنحها الفرصة، قد تبحث عن مكان آخر تجد فيه التقدير والثقة. وقد يكون ذلك خارج الوطن، فتنتقل خبراتها إلى مؤسسات ودول أخرى تعرف قيمة ما لديها وتستثمره.
وهذا أمر مؤسف؛ لأن خسارة الكفاءة لا تعني خسارة وظيفة فقط، بل تعني خسارة استثمار وطني طويل الأمد. لذلك، فإن معالجة ظاهرة التقاعد المبكر لا تكون فقط بمراجعة أنظمته وإجراءاته، وإنما تبدأ من داخل المؤسسات نفسها: من خلال اكتشاف الكفاءات، والاستماع إليها، ومنحها الثقة والصلاحيات، وإشراكها في التطوير، والاستفادة من خبراتها قبل أن تصل إلى مرحلة تشعر فيها بأن الرحيل هو الخيار الوحيد.
إن الأوطان لا تتقدم بكثرة الموظفين، وإنما بحسن استثمار العقول والخبرات. والكفاءة التي أنفقت الدولة عليها سنوات من التعليم والتأهيل والتدريب، يجب ألا يكون مصيرها التهميش، ثم التقاعد المبكر.
فلنحافظ على كفاءاتنا قبل أن نبحث عنها بعد فوات الأوان؛ فالوطن الذي يستثمر في الإنسان، يجب أن يعرف كيف يحافظ على عطائه.