أعادني جلالة الملك حفظه الله ورعاه في الزمن إلى سنوات طوال ماضية؛ حينما أعلن أن عام 2027 سيكون «عام عيسى بن سلمان»، أعاد ذكرياتنا إلى رجل عظيم، لم يكن في وجداننا حاكم وأمير فقط. كان «بابا عيسى»، الأمير الأب الذي نشأنا على محبته، ثم اكتشفنا ونحن نكبر أن ما حكاه آباؤنا عنه غيض من فيض سيرته.
منذ فتحت عيني على الدنيا كان صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة أميراً للبحرين ورمزنا المحبوب. كبرنا مع صورته وابتسامته، ومع قصص آبائنا عن كرمه وسماحته وتواضعه. عرفناه رجل الاستقلال، ورجل التعاون الخليجي، وقائد النهضة التي اتسع فيها الاقتصاد والصناعة وبناء المؤسسات والخدمات، وتطورت فيها أجهزة الدولة وحكومتها.
لكن الطفل في داخلي لم يكن يفهم كل ذلك. كان يفهم أن هذا الأمير يحب الناس، يزور مدنهم وقراهم، ويتحدث إليهم كأنه فرد من عائلاتهم.
كنا نردد الأغاني الوطنية باسمه، ونسميه «بابا عيسى» و«أمير القلوب». ألقاب كنا نرددها لأن وجهه البشوش هو ما كان يجعلنا كأطفال نطمئن، هو ما كان يسعدنا. كانت محبته تكبر من حكايات آبائنا عنه، ومما نراه منه، قبل أن نعرف معنى السياسة والحكم.
أذكر صباحات العيد حين يصطحبني والدي للسلام عليه في مجلس العيد بالديوان. كان أميرنا يعرف أبي باسمه ويسأله: «شلونك عبدالله؟!». أما أنا، الطفل الصغير، فكنت أحفظ وصية والدي: «فيصل، ارفع نفسك وقبل أنف الشيخ عيسى، لا تخلي الأمير ينزل لك». وفي أول معايدة، لم يمهلني رحمه الله؛ اقترب الشيخ عيسى مني، احتضنني، وسألني عن اسمي وضحك معي. خرجت يومها وأنا ابن ست سنوات، أنظر إلى يدي غير مصدق أنها لامست يد «بابا عيسى»، طرت من الفرح. وبعد عدة أعوام، حين تخرجت من الجامعة، كانت فرحة السلام عليه كراعٍ للحفل أكبر من فرحة الشهادة نفسها.
ثم جاء السادس من مارس 1999. كنت في شهري الأول بالعمل الصحفي في «أخبار الخليج»، فوجدت نفسي أعيش خبراً تمنيت ألا أسمعه، لم تصدق أذناي. رحل الشيخ عيسى إلى جوار ربه، رحل أبونا، وخيم الحزن على البحرين. بكينا كما يبكي الأطفال أباهم. امتلأت الحنينية بالمشيعين، واكتظت الرفاع بجموع لم يصل كثير منها إلى المقبرة. وبين ذلك الألم وقف ابنه البار وولي عهده الشيخ حمد، يحمل حزنه الشخصي بكل جلادة وقوة، ويحمل ومسؤولية وطن كان ينظر إليه. عرفناه ولي عهد شجاع وقائد مقدام، لكننا في تلك اللحظة كنا نحتاج أن نراه أباً لنا أيضاً.
صمتت البحرين لتسمع كلمته الأولى. قال عن والده إنه «كان أباً للجميع وأخاً للجميع وصديقاً لكل فرد من أبناء شعبه»، ووصفه بالإنسان الكبير الذي ترك من رصيده الإنساني ما يبقى على مر الأزمان. لم يكن يرثيه بصفات الحكم وحدها، بل بما رأيناه نحن، القرب من الناس وحبهم، والوفاء، والتسامح، والطيبة التي تفوقها طيبة.
ثم سجل له مكانته، رجل الاستقلال والدستور والشورى والمؤسسات، ورجل التنمية وتنويع الاقتصاد والوحدة الخليجية والتضامن العربي. وأعطانا، وسط الفقد، عهداً اختصر كل شيء، قال لنا: «إنني كابن لعيسى وحافظ لعهده سوف أحمل لواء نهجه».
كانت الكلمات وعد ابن لأبيه، ووعد قائد لشعبه. وصدق في كل ذلك ملكنا الشهم حمد. نعم شهم، فبعد ربع قرن، وفي احتفال اليوبيل الفضي عام 2024، عاد الملك حمد ليقول: «كل ما عملته في الفترة الأخيرة هو من أفكار وآمال الوالد رحمه الله». أي وفاء هذا الذي يجعل ملكاً ينسب ما أنجزه إلى أحلام أبيه؟! أرى في ابتسامتك يا «بوسلمان» ملامح الشيخ عيسى، وفي قربك من الناس امتداداً لمدرسته، وفي حديثك عن والدك قلب ابن لم يغادره الحنين.
لهذا أعادني إعلان «عام عيسى بن سلمان» إلى ذلك الطفل، وإلى أبيه الذي علمه كيف يسلم على أميره. سنروي لأبنائنا من كان أمير القلوب، وكيف أحب شعبه فأحبه. نحن لم ننس عيسى قط؛ في كل سادس من مارس يعود الحنين، وتعود صورة رجل احتضننا جميعاً، فغرس حبه الأبدي في القلوب، وظللنا نردد دوماً الكلمات الجميلة للشيخ عيسى بن راشد رحمه الله: «أبا حمد أنت أحلامنا.. وأنت حمانا وأيامنا.. تمر السنون وتأتي السنون.. وأنت المقيم في أعماقنا».
رحم الله «بابا عيسى»، الذي ترك لنا وطناً نحبه، وأعطانا ابناً باراً، ملكاً عظيماً امتداداً لوالده، يحمل الوطن وأهله في قلبه، ويحمل معهم راية البحرين الشامخة.
أسعدك الله ومد في عمرك يا والدنا وقائدنا حمد، أعدت لنا حنينا وشجون ذكريات خالدة، لم ولن تشيخ.