من يتابع روزنامة الاجتماعات الخليجية منذ مطلع العام، سيلاحظ أن البحرين أصبحت عنواناً متكرراً على جدول أعمال مجلس التعاون، فخلال الأشهر الماضية توالت زيارات الوزراء والمسؤولين والوفود الخليجية إلى المنامة، واجتمعت اللجان المتخصصة في ملفات تمتد إلى مختلف القطاعات، ضمن رئاسة المملكة للدورة السادسة والأربعين لمجلس التعاون، التي انطلقت بقمة ديسمبر الماضي برئاسة جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، وما يستوقفني في هذا الحراك هو حجم العمل الذي يجري خلف هذه الاجتماعات، والدور الذي تؤديه البحرين في إبقاء التعاون الخليجي حاضراً خلال واحدة من أكثر المراحل اضطراباً في المنطقة.
وقد عكست الاجتماعات التي استضافتها وزارة المالية والاقتصاد الوطني مطلع أكتوبر جانباً من هذا الحراك، حيث اجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية، بمشاركة المدير العام لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا، لمناقشة تحديات اقتصادية أصبحت أكثر ارتباطاً بالتطورات السياسية والأمنية، ثم استضافت البحرين الاجتماع العاشر للجنة التحضيرية الدائمة على المستوى الوزاري لهيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية، في امتداد للاهتمام الخليجي بتعزيز التكامل الاقتصادي والتنموي.
وتكتسب هذه الاجتماعات أهميتها من الظروف التي تمر بها المنطقة، فالحرب والاعتداءات الإيرانية واضطرابات الملاحة والطاقة ألقت بآثارها على اقتصادات العالم، وأعادت إلى الواجهة أسئلة تتعلق بالأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد والقدرة على مواجهة الأزمات، وهنا تتضح أهمية مجلس التعاون باعتباره إطاراً يجمع دول الخليج على مصالح ومواقف مشتركة، ويمنحها مساحة أوسع للتعامل مع التحديات التي يصعب فصل آثارها بين دولة وأخرى.
وقد كان مهماً ما أكده معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة وزير المالية والاقتصاد الوطني خلال ترؤسه الاجتماعات الخليجية، بشأن ضرورة العمل الخليجي المشترك، وما تتمتع به دول المجلس من مرونة وقدرة على مواجهة المتغيرات، وهي قراءة تنسجم مع ما أثبتته التجارب الأخيرة، إذ أصبحت قوة الاقتصادات الخليجية مرتبطة بدرجة ترابطها، وبقدرتها على حماية استثماراتها ومشاريعها التنموية في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
وفي بانكوك، حمل معالي الشيخ سلمان بن خليفة آل خليفة هذه الهواجس الخليجية والعربية إلى اجتماعات البنك الدولي، حين ألقى كلمة باسم المجموعة العربية والمالديف، وتوقف عند تداعيات التوترات الجيوسياسية على حركة التجارة العالمية، وما تسببت فيه اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب من ارتفاع تكاليف النقل وتأخر الشحنات، وهذه الإشارة تعكس حجم الترابط بين أمن منطقتنا واستقرار الاقتصاد العالمي، فالممران البحريان يمثلان شريانين رئيسيين للتجارة الدولية، وأي اضطراب فيهما تصل آثاره إلى أسواق بعيدة عن منطقة الخليج، وهو ما يمنح الدعوة إلى تعزيز الأمن الاقتصادي والتعاون الإقليمي أهمية مضاعفة.
ولعل الصورة الأجمل خلال الأسابيع الماضية كانت في «فريق البحرين» الذي لعب خارج أرضه وداخلها في الوقت نفسه، ففي ماليزيا كان فريق حلبة البحرين الدولية ينظم سباق جائزة البحرين الكبرى للفورمولا وان على حلبة سيبانغ، محافظاً على هوية السباق البحرينية رغم الظروف الاستثنائية، وفي بانكوك كانت جهود بحرينية أخرى وراء حفل استقبال البنوك البحرينية الذي نظمته جمعية مصارف البحرين، بينما واصلت فرق العمل في الوزارات والمؤسسات الحكومية، وفي مقدمتها وزارة الخارجية بالتنسيق مع الجهات المعنية، استقبال الوفود الخليجية وتنظيم الاجتماعات المتتالية في المنامة.
ثلاث ساحات مختلفة، وفرق متعددة، وروح عمل واحدة تجمع مئات البحرينيين الذين يعملون خلف هذه النجاحات، ويحرصون على تقديم وطنهم بأفضل صورة، وهذا هو المعنى الذي يجسده «فريق البحرين» بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله ورعاه، حيث تتكامل الجهود داخل المملكة وخارجها، وتبقى البحرين حاضرة بكفاءاتها الوطنية، سواء كان ميدان العمل في المنامة أو على حلبة في ماليزيا أو في قاعة اجتماعات ببانكوك.