حين أفكر في أول ما تعلمناه عن الانتماء، أعود إلى البيت وإلى والدتي، أطال الله عمرها، إلى طريقتها في استقبال ضيف، وسؤالها عن قريب، وحرصها على أن نحترم الكبير ونقف إلى جانب من يحتاج إلينا. كنا نتعلم منها قبل أن نفهم أسماء القيم التي تحملها.

ولعلنا، حين نتحدث عن مسؤوليات الأم اليومية لا نمنح دورها في بناء الوعي ما يستحقه من اهتمام، لأنها المعلم الأول الذي يساعد الأبناء على فهم علاقتهم بالآخرين، ويغرس فيهم محبة الأرض، ويمنح الولاء للوطن معنى يرونه في سلوكها اليومي وينقلونه إلى حياتهم.

ومن هذه الزاوية، استوقفني البرنامج الذي نظمه المجلس الأعلى للمرأة حول دور المرأة في غرس القيم والهوية الوطنية لدى الأجيال القادمة، فقد أعاد إلى الواجهة مسؤولية مهمة تضطلع بها المرأة داخل الأسرة وفي المجتمع، حين تنقل للأبناء حكايات أهلهم وعاداتهم، وتشركهم في صلة الرحم والتكافل.

وأرى أن أهمية هذا الدور تتزايد مع اتساع مصادر التأثير في أبنائنا، خصوصاً عبر التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي، فهم يحتاجون إلى من يصغي لأسئلتهم، ويساعدهم على فهم تراثهم والاعتزاز به، والتعامل بوعي مع عالم متغير.

وأعتقد أن ما يبقى في ذاكرة الأبناء هو ما عاشوه؛ زيارة عائلية، أو مناسبة يتعرفون فيها على عاداتهم، أو موقف يرون فيه والدتهم تبادر إلى المساعدة، بهذه التجارب يفهمون صلة الرحم والتكافل والاحترام، ويشعرون بأنهم جزء من المجتمع، وهنا تمتد مساهمة المرأة من البيت إلى المدرسة والعمل ومؤسسات المجتمع، فما تقدمه من التزام وتعاون واحترام يمنح الأجيال نموذجاw يرون فيه تحول محبة الوطن إلى ممارسة.

وفي عالم تدخل فيه الأفكار والصور إلى أبنائنا كل يوم، تصبح حاجتنا أكبر إلى الحوار معهم، لذلك من المهم أن يجد الابن لدى والدته مساحة ليسأل ويناقش، وأن يسمع تفسيراً يقنعه بقيمة ما نتمسك به من أخلاق وعادات، وهذه مسؤولية تحتاج فيها الأم إلى مساندة الأب والمدرسة والمؤسسات المجتمعية، فكلما اتفقت الرسائل التي يتلقاها الأبناء، واقترنت بقدوة تحترم عقولهم، أصبحوا أقدر على التعامل بوعي، وعلى الاعتزاز بهويتهم والانفتاح على الآخرين.

وأعود إلى والدتي، وإلى أمهات كثيرات تركن في أبنائهن ما يظهر لاحقاً في طريقة حديثهم وتعاملهم ووفائهم لأهلهم ووطنهم، قد لا تعرف الأم إلى أي مدى بقيت كلمة قالتها أو عادة حرصت عليها، لكن أبناءها يحملون شيئاً منها حيثما ذهبوا.

ولهذا يستحق دور المرأة البحرينية في بناء الوعي تقديراً يوازي أثره، ودعماً يعينها على مواصلته، ففي تفاصيل علاقتها بأبنائها تتشكل معاني الانتماء الأولى، ومنها يتعلمون كيف يحبون البحرين ويحافظون على ما يجمع أهلها.