وليد صبري

قال عضو هيئة التدريس بجامعة الخليج العربي في قسم الفسيولوجيا بكلية الطب والعلوم الصحية وعضو جمعية السكري البحرينية البروفيسور د. طارق أحمد الشيباني إن التدخين يُعد من أخطر العادات التي انتشرت في العصر الحديث، مشيراً إلى ما قاله الكاتب الأمريكي الساخر مارك توين إن الإقلاع عن التدخين هو أسهل شيء في العالم لأنه فعل ذلك أكثر من ألف مرة، في إشارة ساخرة إلى صعوبة التخلص من هذه العادة، قبل أن يوضح أن النيكوتين يصل إلى الدماغ خلال ثوانٍ ويخلق دائرة إدمان تدفع المدخن لزيادة السجائر.

وأضاف في تصريحات لـ«الوطن» أن الإنسان اعتاد التدخين منذ عقود طويلة قبل أن يدرك حجم الأضرار الصحية الخطيرة التي يسببها، مؤكداً أن التدخين بجميع أشكاله، سواء السجائر أو الشيشة أو غيرهما، يؤدي إلى أضرار جسيمة تصيب مختلف أجهزة الجسم، وقد يساهم الوعي بهذه المخاطر في مساعدة بعض المدخنين على اتخاذ قرار الإقلاع.

وأوضح الشيباني أن مادة النيكوتين الموجودة في التبغ تؤثر بشكل مباشر في الجهاز العصبي، حيث تصل إلى الدماغ خلال ثوانٍ معدودة مع دخان السيجارة وتعمل كمحفز للأعصاب، ما يمنح المدخن شعوراً مؤقتاً بالنشاط والطاقة في البداية، إلا أن هذا الشعور لا يستمر طويلاً، إذ سرعان ما يتحول إلى خمول وتعب يدفع المدخن إلى إشعال سيجارة أخرى، وهو ما يفسر قدرة النيكوتين على توليد الاعتماد والإدمان.

وأشار إلى أن التدخين يسبب أيضاً أضراراً في حاسة البصر، إذ يؤدي إلى ضعف النظر وظهور ما يعرف بالماء الأبيض نتيجة فقدان عدسة العين شفافيتها وتحولها إلى حالة ضبابية تعيق دخول الضوء بشكل طبيعي، ما يؤدي إلى تشوش الرؤية. كما يؤثر التدخين سلباً في حاستي التذوق والشم، الأمر الذي يفقد المدخن متعة تذوق الطعام.

وبيّن أن التدخين يرتبط كذلك بزيادة التوتر والقلق، إذ إن الجسم يفرز هرمون الكورتيكوستيرون عند التعرض للضغط النفسي، وهو ما يعرف بهرمون التوتر، وهذا الهرمون يقلل من تأثير النيكوتين، ما يدفع المدخن إلى زيادة عدد السجائر لرفع مستوى النيكوتين في الدم، الأمر الذي يزيد من الأضرار الصحية ويجعل الإقلاع أكثر صعوبة. كما يؤدي التدخين إلى ضعف التركيز واضطرابات التفكير وزيادة القلق والاكتئاب إضافة إلى الصداع وقلة النوم.

وأوضح الشيباني أن الجهاز التنفسي يُعد من أكثر الأجهزة تضرراً من التدخين، حيث يتكون هذا الجهاز من الأنف والفم والقصبة الهوائية والرئتين، ويقوم بنقل الأكسجين إلى الدم ليصل إلى جميع خلايا الجسم. ولفت إلى أن القصبات الهوائية مزودة بشعيرات دقيقة تعمل كآلية دفاعية لطرد الأجسام الغريبة والجراثيم من الجهاز التنفسي، إلا أن هذه الشعيرات تصاب بالشلل المؤقت بعد تدخين السيجارة لفترة قد تتجاوز عشرين دقيقة، ما يؤدي إلى توقفها عن أداء وظيفتها الطبيعية.

وأضاف أن استمرار المدخن في التدخين سيجارة بعد أخرى يعطل عمل هذه الشعيرات طوال اليوم، ما يسمح للجراثيم والمواد الضارة بالدخول إلى الرئتين والترسب فيهما. وخلال فترة النوم، عندما يتوقف تأثير التدخين مؤقتاً، تعود هذه الشعيرات للعمل مجدداً وتدفع الإفرازات والبلغم إلى أعلى القصبة الهوائية، وهو ما يفسر السعال الصباحي الذي يعاني منه كثير من المدخنين. كما أن تراكم المواد السامة في الرئتين مع مرور الوقت قد يؤدي إلى الإصابة بسرطان الرئة.

وأكد أن التدخين يسبب أيضاً أضراراً خطيرة في القلب والأوعية الدموية، إذ يؤدي إلى تضيق الأوعية الدموية التي تنقل الدم إلى أعضاء الجسم المختلفة مثل القلب والدماغ والكلى، ما يعيق وصول الدم المحمل بالأكسجين والمواد الغذائية إلى هذه الأعضاء الحيوية. كما أن التدخين يؤدي إلى انخفاض مستوى الكوليسترول المفيد في الدم وارتفاع نسبة الدهون الضارة، الأمر الذي يزيد من احتمالية ترسب الدهون داخل الأوعية الدموية.

وأشار إلى أن تضيّق الأوعية الدموية وارتفاع نسبة الدهون يؤديان إلى زيادة ضغط الدم المزمن داخل الشرايين، ما يسهم في تكوّن الجلطات الدموية. كما تسبب المواد الكيميائية الموجودة في دخان السجائر، مثل النيكوتين والقطران، تصلب الشرايين وفقدانها مرونتها الطبيعية، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وزيادة خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية نتيجة نقص وصول الدم والأكسجين إلى القلب أو الدماغ.

وأضاف أن المدخنين الذين خضعوا سابقاً لعمليات تحويل مسار الشرايين التاجية أو ما يعرف بعمليات المجازة القلبية يكونون أكثر عرضة للإصابة مجدداً بأمراض الأوعية الدموية إذا استمروا في التدخين، كما تزداد لديهم احتمالات الإصابة بأمراض خطيرة أخرى.

وأوضح الشيباني أن مخاطر التدخين لا تقتصر على المدخن نفسه، بل تمتد إلى الأشخاص المحيطين به من خلال ما يعرف بالتدخين السلبي، حيث يستنشق غير المدخنين الدخان المنبعث من السجائر، وهو ما يعرضهم لمخاطر صحية مشابهة تشمل أمراض القلب والأوعية الدموية ومشكلات الجهاز التنفسي.

وأشار إلى أن التدخين يسبب كذلك أضراراً متعددة في الجهاز الهضمي، إذ يؤدي إلى التهابات اللثة وظهور الجروح في الفم وتسوس الأسنان وفقدانها مع مرور الوقت، كما يتسبب في رائحة كريهة للفم. وقد أثبتت الدراسات العلمية ارتباط التدخين بزيادة خطر الإصابة بسرطان الفم والحنجرة والبلعوم والمريء، إضافة إلى ارتفاع احتمالات الإصابة بسرطان البنكرياس.

وبيّن أن التدخين يؤثر أيضاً في هرمون الأنسولين الذي يفرزه البنكرياس لتنظيم مستوى السكر في الدم، حيث يقلل التدخين من فعالية الأنسولين ويؤدي إلى ما يعرف بمقاومة الأنسولين، الأمر الذي يزيد من خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، كما يجعل المرض أكثر سوءاً لدى المصابين به. كذلك قد يؤدي التدخين إلى فقدان الشهية وسوء التغذية.

وأوضح أن للجهاز التناسلي نصيباً من أضرار التدخين، حيث يؤدي تضيق الأوعية الدموية الناتج عن التدخين إلى ضعف تدفق الدم إلى الأعضاء التناسلية لدى الرجال، ما قد يسبب ضعف الانتصاب ويؤثر في القدرة الجنسية، كما قد يؤدي التدخين إلى العقم.

وأضاف أن التدخين يؤثر أيضاً في صحة المرأة، إذ قد يسبب حدوث سن اليأس في عمر مبكر، ويرتبط بزيادة خطر الإصابة بسرطان عنق الرحم. كما يشكل خطراً كبيراً على المرأة الحامل، حيث قد يؤدي إلى الإجهاض ومشكلات في المشيمة والولادة المبكرة، إضافة إلى انخفاض وزن الجنين أو حدوث تشوهات خلقية أو الوفاة المفاجئة للجنين. كما يكون أطفال الأمهات المدخنات أكثر عرضة للإصابة بالربو.

وأشار الشيباني إلى أن التدخين يترك آثاراً واضحة في الجلد والشعر والأظافر، حيث تؤدي المواد السامة الموجودة في التبغ إلى تغير لون الجلد وظهور التجاعيد المبكرة وتسارع علامات الشيخوخة. كما يتغير لون الأظافر والأسنان إلى اللون الأصفر نتيجة ترسبات التبغ، ويمتص الشعر رائحة الدخان لتبقى عالقة به لفترات طويلة وتؤثر في المحيطين بالمدخن أيضاً.

وأكد في ختام تصريحه أن هذه الأضرار المتعددة التي تصيب مختلف أجهزة الجسم تؤكد أن التدخين ليس مجرد عادة سيئة، بل خطر صحي كبير يهدد حياة الإنسان وجودة حياته، مشدداً على أن الإقلاع عن التدخين يمثل خطوة أساسية للحفاظ على الصحة والوقاية من العديد من الأمراض الخطيرة.