وليد صبري

قال استشاري الجراحة العامة وجراحة الأقدام السكرية والعناية بالجروح، وعضو جمعية السكري البحرينية د. عبدالله إسماعيل، إن التدخين يرتبط في الأذهان دائماً بأمراض الرئة، وسرطان الحنجرة، ونوبات القلب، وهي خطورة حقيقية بلا شك، لكن هناك زاوية مظلمة أخرى نادراً ما يتم تسليط الضوء عليها بالشكل الكافي، وهي العلاقة الطردية المدمرة بين التدخين وتفاقم مضاعفات مرض السكري، وتحديداً ما يُعرف بـ "القدم السكرية". وأضاف أن اجتماع السكري والتدخين في جسد واحد ليس مجرد دمج لخطريْن، بل هو عملية مضاعفة وتكاملية للشراسة المرضية التي تستهدف الأطراف السفلية، مهددةً قدرة الإنسان على الحركة، بل ومهددةً حياته في كثير من الأحيان.

وأضاف في تصريحات لـ"الوطن"، بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين والتبغ، أن لحظة استنشاق الدخان، تعني دخول آلاف المواد الكيميائية السامة إلى الجسم، وعلى رأسها النيكوتين وأول أكسيد الكربون. وهذه المواد تشن هجوماً صامتاً ومستمراً على الجهاز الوعائي والعصبي، وتحديداً في الأطراف البعيدة مثل القدمين، وذلك عبر ثلاثة مسارات كارثية، وهي:

أولاً: خنق الشرايين وتجويع الأنسجة "مرض الشرايين الطرفية": يعمل التدخين على تسريع ترسب الدهون وتصلب الشرايين وضيقها. عند مريض السكري، تكون هذه الشرايين معرّضة بالفعل للتلف، فيأتي التدخين ليحرم القدمين من التروية الدموية اللازمة. هذا النقص الحاد في تدفق الدم يعني أن الأكسجين والمغذيات الحيوية لا تصل إلى الأنسجة، مما يجعلها ضعيفة وعاجزة عن مقاومة أي مجهود أو إصابة.

ثانياً: إطفاء أجهزة الإنذار "تلف الأعصاب الطرفية": يتسبب التدخين في تسريع وتيرة تلف الأعصاب الناتجة عن السكري. خطورة هذه النقطة تكمن في فقدان "نعمة الألم"؛ فالألم هو جهاز الإنذار الذي يخبرنا بوجود مشكلة. عندما تفقد القدم الإحساس، يمكن للمريض أن يمشي على مسمار، أو يرتدي حذاءً ضيقاً يمزق جلده، أو يتعرض لحرق حراري، دون أن يشعر بأي وجع، لتظل الإصابة مخفية، وتتفاقم خلف ستار غياب الإحساس.

ثالثاً: شلل منظومة الشفاء والالتئام: إذا حدثت الإصابة أو الجرح، يحتاج الجسم إلى استنفار خلايا المناعة وعوامل النمو لإغلاق الجرح. لكن في قدم مريض السكري المدخن، تكون الطرق "الشرايين" مغلقة أو ضيقة جداً، والدم شحيح. النتيجة هي بقاء الجرح مفتوحاً لفترات طويلة، ليتحول سريعاً إلى قرحة مزمنة بيئةً خصبة للبكتيريا والميكروبات.

وتحدث د. عبد الله إسماعيل عن سيناريو خطير.. يبدأ بخدش وينتهي بغرفة العمليات، قائلاً إن: "الدراسات الطبية لا تكذب، والأرقام الصادرة عن المنظمات الصحية تؤكد أن مريض السكري المدخن معرض لخطر بتر الأطراف السفلية بنسبة تتضاعف بشكل حاد مقارنة بالمريض غير المدخن. والسيناريو المتكرر في ردهات المستشفيات يبدأ غالباً بأمر بسيط: "بثرة" صغيرة أو جرح طفيف ناتج عن قشر الجلد أو حذاء غير مناسب. ونظراً لغياب الإحساس، يُهمل الجرح. ونظراً لضعف التروية الدموية، يفشل في الالتئام. تتسلل الالتهابات إلى الأعماق لتصل إلى العظام، وتحدث "الغرغرينا" "موت الأنسجة"، وهنا يجد الأطباء أنفسهم أمام خيار لا مفر منه: البتر لإنقاذ حياة المريض من تسمم الدم".

وأكد أن هناك خطوات مطلوبة "لحماية الخطوات" تمثل طوق نجاة للشخص المدخن والمريض بالسكري، مشدداً على أن التوعية بهذه المخاطر ليست لزرع الخوف، بل لامتلاك زمام المبادرة والتغيير. وأضاف أن حماية الأقدام السكرية من مقصلة التدخين تتطلب حزمة من القرارات الحاسمة التي لا تقبل التأجيل:

- الإقلاع الفوري عن التدخين: هو الخطوة الصفرية والأهم. بمجرد التوقف عن التدخين، تبدأ الأوعية الدموية باستعادة جزء من مرونتها، وتحسن التروية الدموية يمنح القدمين فرصة ثانية للحياة والشفاء.

- الفحص اليومي الصارم: يجب على مريض السكري أن يتفقد قدميه يومياً بدقة تفوق تفقد ملامح وجهه في المرآة. أي احمرار، أو تغير في اللون، أو فقاعات، أو تشققات يجب أن تُعرض على الطبيب المختص فوراً.

- التحكم الصارم في السكري: ضبط مستويات السكر في الدم وحمايتها من الارتفاعات الحادة هو خط الدفاع الأول لحماية الأعصاب والشرايين من التآكل.

- العناية الفائقة بالقدمين: غسيل يومي بماء دافئ، تجفيف تام وخاصة بين الأصابع، ترطيب مستمر للجلد لحمايته من الجفاف والتشقق، والامتناع التام عن المشي حافياً حتى داخل المنزل.

واختتم د. عبدالله إسماعيل تصريحه بالقول: "إن الحفاظ على سلامة القدمين والقدرة على السير بحرية ونشاط هو عصب جودة الحياة. والسيجارة التي يحرقها المدخن اليوم، قد تحرق غداً قدرته على المشي، والإقلاع عن التدخين ليس رفاهية أو خياراً ثانوياً لمريض السكري، بل هو قرار استراتيجي لحفظ الأطراف وصون الخطوات".