وليد صبري

قال استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان وأمين سر جمعية أصدقاء الصحة د. إيهاب رخا، إن السنوات الأخيرة شهدت تسارعاً في وتيرة انتشار الشيشة والسجائر الإلكترونية (Vapes) بشكل لافت، مدفوعةً بحملات تسويقية ذكية تروج لها كبديل "آمن" للتدخين التقليدي، أو كوسيلة فعالة للإقلاع عنه. إلا أن الدراسات الطبية والأبحاث السريرية المتلاحقة بدأت تزيح الستار عن واقع مغاير تماماً، مؤكدة أن هذه الأجهزة لا تخلو من المخاطر، بل إنها تشكل تهديداً حقيقياً ومباشراً على الصحة العامة البدنية والنفسية.

وأضاف د. إيهاب رخا في تصريحات لـ"الوطن"، بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين والتبغ، أنه خلافاً للاعتقاد الشائع بأن هذه الأجهزة تنتج "بخار ماء" غير ضار، فإن المادة المتصاعدة منها هي هباء جوي (Aerosol) دقيق يحتوي على خليط معقد من المواد السامة. يعتمد عمل هذه الأجهزة على تسخين سائل يحتوي عادةً على:

* النيكوتين: وهي المادة الكيميائية العالية المسببة للإدمان والموجودة في التبغ التقليدي. يؤدي النيكوتين إلى رفع معدل ضربات القلب وضغط الدم، مما يزيد من إجهاد الجهاز الدوري.

* المواد العضوية المتطايرة والمنكهات: مثل مادة "الدياسيتيل" المستخدمة لإعطاء نكهات معينة، والتي ثبت ارتباطها الوثيق بأمراض رئوية حادة.

* المعادن الثقيلة: جزيئات دقيقة من النيكل، والقصدير، والرصاص الناتجة عن تسخين الملف الداخلي للجهاز.

وعن الأضرار والآثار الصحية والجسدية، أوضح د. رخا أنها تتوزّع على عدة أجهزة حيوية في الجسم، وتشمل:

1. الجهاز التنفسي والرئتان، حيث تتعرّض الرئتان بشكل مباشر للمواد الكيميائية المهيجة. وقد سجلت الأوساط الطبية متلازمة إصابة الرئة المرتبطة باستخدام السجائر الإلكترونية (المعروفة عالمياً باسم EVALI، والتي تسبب أضراراً رئوية حادة قد تصل إلى الفشل التنفسي. كما يؤدي الاستنشاق المستمر لهذه المواد إلى إضعاف المناعة الموضعية في المجاري التنفسية، مما يجعل المستخدم أكثر عرضة للإصابة بالالتهابات البكتيرية والفيروسية.

1. القلب والأوعية الدموية، إذ يتسبب النيكوتين والمواد المصاحبة له في حدوث ضيق في الأوعية الدموية وزيادة تصلب الشرايين. هذا التأثير يرفع من احتمالية الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية على المدى الطويل، مما ينفي تماماً فكرة أن الأجهزة الإلكترونية تحمي القلب مقارنة بالسجائر العادية.

وقال إنه نظراً لأن العديد من السوائل الإلكترونية (E-liquids) تحتوي على أملاح النيكوتين بتركيزات عالية جداً، فإن سرعة وشدة الإدمان تفوق أحياناً التدخين التقليدي، مبيّناً أنه عند استنشاق الـ"Vape"، يصل النيكوتين إلى الدماغ خلال ثوانٍ معدودة، محفزاً إطلاق هرمون الدوبامين المسؤول عن شعور المتعة والمكافأة المؤقت. ومع الاستمرار، يعيد الدماغ تنظيم مستقبلاته العصبية ليتكيف مع وجود النيكوتين، مما يخلق اعتماداً فسيولوجياً كاملاً.

وأضاف أن الأمر لم يعد مقتصراً على النيكوتين وحده؛ إذ رصدت التقارير الطبية والرقابية انتشاراً لخلط السوائل الإلكترونية بمواد أخرى عالية الإدمان والخطورة، مثل القنب المصنّع (المعروف باسم السبايس أو الجوكر) ومركبات التتراهيدروكانابينول (THC)، بالإضافة إلى مشتقات دوائية مهدئة أو منشطة تُباع خارج النطاق الرسمي. هذا الخلط العشوائي يرفع من خطر الاعتماد الكيميائي المركّب، ويجعل المستخدم عرضة لجرعات زائدة وتأثيرات إدمانية مضاعفة يصعب التنبؤ بتبعاتها الطبية.

وفي رد على سؤال حول إذا ما كانت أضرار السجائر الإلكترونية لا تقتصر على الجسد، أفاد د. رخا بأن أضرارها لا تقتصر على الجسد، بل تمتد لتحدث خللاً في التوازن النفسي والسلوكي للمستخدم، مثل اضطرابات المزاج والقلق، ورغم أن المستخدم يلجأ للـ"Vape" ظناً منه أنه يقلل التوتر، فإن الحقيقة العلمية تؤكد أن النيكوتين والمواد المضافة يرفعان من مستويات القلق والتوتر على المدى الطويل بسبب التذبذب المستمر في مستوياتها بالدم بين جرعة وأخرى.

وأشار إلى التأثير على النمو العصبي والمعرفي، حيث يؤثر الاستنشاق المستمر للمواد الإدمانية سلباً على نمو وتطور قشرة الدماغ الجبهية (Prefrontal Cortex)، وهي المنطقة المسؤولة عن الانتباه، التعلم، الذاكرة، والتحكم في الدوافع، مما يضعف الأداء المعرفي العام ويزيد من الاندفاعية السلوكية.

وحذر من الارتباط السلوكي والشرطي، حيث يخلق التصميم الجذاب والروائح المتنوعة لهذه الأجهزة ارتباطاً شرطياً ونفسياً وثيقاً في روتين المستخدم اليومي، مما يجعل الانفصال عنها من الناحية السلوكية تحدياً نفسياً كبيراً يتجاوز مجرد الإدمان الكيميائي.

وشدّد د. رخا على أن مواجهة انتشار هذه الآفة تتطلب تضافر الجهود المجتمعية والطبية لتصحيح المفاهيم المغلوطة، خاصة مع دخول مواد إدمانية جديدة على خط تصنيع هذه السوائل. لا يمكن اعتبار الشيشة أو السجائر الإلكترونية خياراً آمناً، والانتقال من التدخين التقليدي إليها ليس إقلاعاً، بل هو استبدال لنوع المخاطر والدخول في نفق إدماني أعمق. حماية الجسم والعقل تتطلب اتخاذ قرار حاسم بالابتعاد عن كافة أشكال التدخين، والاعتماد على البرامج العلاجية المعتمدة طبياً لضمان حياة صحية وخالية من السموم.