وليد صبري
قالت استشارية الصحة العامة ورئيسة جمعية أصدقاء الصحة د. كوثر العيد إن مملكة البحرين تشارك دول العالم الاحتفاء باليوم العالمي لمرض فقر الدم المنجلي (السكلر)، والذي يمثل محطة سنوية مهمة تقف فيها المؤسسات الصحية والأفراد والعائلات معاً، ليس فقط لنشر المعرفة والتوعية بالمرض، بل أيضاً لتجديد الأمل وتحفيز الجهود الرامية إلى تحسين جودة حياة المرضى وصياغة مستقبل صحي أفضل للأجيال القادمة.
وأضافت د. كوثر العيد، في تصريحات لـ"الوطن" بمناسبة اليوم العالمي لمرض فقر الدم المنجلي، أن هذه المناسبة تحمل رسالة مزدوجة؛ تتمثل الأولى في تمكين المرضى الذين يتعايشون مع المرض ومساعدتهم على العيش براحة وإنتاجية، بينما تتمثل الثانية في دعوة مجتمعية واعية وجادة للحد من انتقال المرض وراثياً وحماية الأجيال المقبلة من الإصابة به.
وأوضحت أن مرض فقر الدم المنجلي يعد اضطراباً وراثياً يصيب خلايا الدم الحمراء، مشيرة إلى أن هذه الخلايا تكون في الحالة الطبيعية على شكل قرص مقعر الوجهين وتتميز بالمرونة والقدرة على التحرك بسهولة داخل الأوعية الدموية لنقل الأكسجين إلى مختلف أنحاء الجسم. أما لدى المصابين بالمرض فإن شكل الخلايا يتغير لتصبح صلبة ولزجة وتتخذ شكلاً هلالياً أو منجلياً.
وأكدت أن هذا التحول في شكل الخلايا يؤدي إلى صعوبة مرورها عبر الأوعية الدموية الدقيقة، حيث تلتصق بجدرانها وتتسبب في انسداد تدفق الدم، الأمر الذي يقلل وصول الأكسجين إلى الأنسجة والأعضاء المختلفة. ونتيجة لذلك يعاني المرضى من نوبات ألم شديدة ومتكررة، إلى جانب الإرهاق والتعب المستمرين بسبب التكسر السريع للخلايا المنجلية، إذ يتراوح عمرها بين 10 و20 يوماً فقط مقارنة بنحو 120 يوماً للخلايا الطبيعية.
وحول كيفية الإصابة بالمرض وسبل حماية الأجيال القادمة منه، أكدت د. كوثر العيد أن مرض السكلر ليس مرضاً معدياً على الإطلاق، بل هو مرض وراثي بحت ينتقل من الآباء إلى الأبناء عبر الجينات. وأشارت إلى أهمية التمييز بين حامل المرض والمصاب به، موضحة أن حامل المرض يمتلك جيناً مصاباً وآخر سليماً، ويعيش حياة طبيعية من دون أعراض، إلا أنه يستطيع نقل الجين إلى أبنائه، بينما المصاب بالمرض يكون قد ورث جينين مصابين، أحدهما من الأب والآخر من الأم.
وشددت على أن الوقاية من المرض لم تعد أمراً بعيد المنال، بل تبدأ من الوعي واتخاذ القرارات الصحيحة، مؤكدة أن الالتزام بالفحص الطبي قبل الزواج يمثل الركيزة الأساسية وخط الدفاع الأول لكسر حلقة التوارث الوراثي. وأضافت أن اتخاذ المقبلين على الزواج قراراتهم استناداً إلى نتائج الفحص لا يحميهم فقط، بل يمنح أبناءهم فرصة لحياة صحية خالية من الألم والمضاعفات الصحية المرتبطة بالمرض. وأكدت أن الوعي الوراثي يعد من أهم الهدايا التي يمكن تقديمها لأطفال المستقبل ليكونوا جيلاً قوياً ومنتجاً يتمتع بالصحة والقدرة على الإسهام في بناء الوطن.
وفيما يتعلق بالحد من المضاعفات وتحسين جودة حياة المرضى، وجهت د. كوثر العيد رسالة إلى المرضى وعائلاتهم أكدت فيها أن تشخيص المرض لا يمثل نهاية الطريق، وإنما بداية رحلة يمكن إدارتها بنجاح من خلال الالتزام بالإرشادات الطبية وتبني نمط حياة صحي.
وأوضحت د. كوثر العيد أن الحفاظ على ترطيب الجسم من خلال شرب كميات كافية من الماء والسوائل، بمعدل لا يقل عن 8 إلى 10 أكواب يومياً، يساعد على المحافظة على سيولة الدم ويحد من تكتل الخلايا المنجلية وانسداد الأوعية الدموية. كما شددت على أهمية الالتزام بالخطة العلاجية والمتابعة المنتظمة مع الطبيب المختص وتناول الأدوية والمكملات الغذائية الموصوفة، ومنها حمض الفوليك.
وأضافت أن من الضروري تجنب التغيرات الحادة في درجات الحرارة سواء البرودة الشديدة أو الحرارة المرتفعة، إلى جانب تجنب المجهود البدني العنيف الذي قد يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين في الجسم. كما أكدت أهمية اتباع نظام غذائي متوازن غني بالفيتامينات والمعادن، والابتعاد عن التوتر والضغوط النفسية التي قد تكون من المحفزات الرئيسية لنوبات الألم.
كما دعت إلى الالتزام بأخذ التطعيمات الدورية والتحصينات اللازمة والحرص على الوقاية من الأمراض المعدية، مع ضرورة مراجعة الطبيب فوراً عند ارتفاع درجة حرارة الجسم أو ظهور أي أعراض تستدعي التدخل الطبي.
وأكدت د. كوثر العيد أن التطورات العلمية والطبية المتسارعة عزّزت من فرص المرضى في التعايش الإيجابي مع المرض، مشيرة إلى أن التجارب الواقعية أثبتت قدرة مرضى السكلر على تحقيق النجاح والتميز أكاديمياً ومهنياً وتكوين أسر مستقرة وسعيدة متى ما توفرت لهم الرعاية الصحية المناسبة والوعي الكافي بمتطلبات التعايش مع المرض.
ودعت د. كوثر العيد في ختام تصريحها إلى تضافر جهود الأفراد والعائلات ومؤسسات المجتمع المدني لنشر ثقافة الوقاية وتعزيز الوعي بالأمراض الوراثية، مؤكدة أهمية تحويل هذه المناسبة العالمية إلى نقطة انطلاق متجددة نحو مجتمع بحريني يتمتع بصحة أفضل وجودة حياة أعلى، ويسعى إلى الحد من الأمراض الوراثية وحماية الأجيال القادمة، وصولاً إلى مستقبل أكثر إشراقاً واستدامة للجميع.