أكد جرّاح العظام والعمود الفقري في "مايو كلينك"، د. أحمد نصر، أن آلام أسفل الظهر تُعد من أكثر المشكلات الصحية انتشاراً على مستوى العالم، مشيراً إلى أن أسبابها ترتبط بعوامل متعددة، في حين أسهمت التطورات المتسارعة في جراحات العمود الفقري في تحسين دقة العلاج وتسريع تعافي المرضى، بفضل الاعتماد على الروبوتات والذكاء الاصطناعي وتقنيات الجراحة محدودة التوغّل.
وأوضح لـ"الوطن"، أن أنماط الحياة الخاملة، بما في ذلك قلة النشاط البدني والجلوس لفترات طويلة، تُضعف العضلات الداعمة للعمود الفقري، بينما تزيد السمنة من الضغط على الفقرات، وترتبط بارتفاع خطر الإصابة بتنكس الأقراص، موضحاً أن التطور الحضري في دول مثل الإمارات العربية المتحدة، وما صاحبه من تغيّر في أنماط الحياة، قد يسهم في ظهور مشكلات العمود الفقري في سن مبكرة واستمرارها لفترات أطول.
وأشار نصر، إلى أن كبار السن يُعدون الأكثر عرضة للإصابة بمشكلات العمود الفقري نتيجة التغيرات الطبيعية المصاحبة للتقدم في العمر، مثل تنكس الأقراص، وانحناء العمود الفقري التنكّسي، والتهاب المفاصل، إضافة إلى هشاشة العظام التي تزيد خطر الكسور، لافتاً إلى أن هذه التغيرات قد تؤدي إلى آلام مزمنة، وتؤثر في وظائف العمود الفقري والحركة.
وبيّن أن آلام الظهر والرقبة تؤثر بشكل كبير في جودة الحياة، إذ تحد من القدرة على المشي والانحناء والجلوس لفترات طويلة، كما تؤثر في جودة النوم بسبب صعوبة إيجاد وضعية مريحة، ما ينعكس على النشاط اليومي.
وأضاف أن بعض الحالات المتقدمة قد تتسبب أيضاً في أعراض عصبية، مثل التنميل أو الوخز، نتيجة الضغط على الأعصاب.
وفيما يتعلق بالحالات الأكثر شيوعاً، أوضح نصر أن مرض القرص التنكّسي وتضيّق القناة الشوكية يأتيان في مقدمة الحالات التي تُراجع العيادات المتخصصة، إذ يؤديان إلى الضغط على الأعصاب والتسبب في الألم وصعوبة المشي.
كما تشمل الحالات تفتّق الأقراص، الذي يسبب ألماً يمتد إلى الذراع أو الساق، إلى جانب تشوهات العمود الفقري، مثل الجنف والحداب، والتي قد تؤثر في استقامة الجسم ووظائفه، وفي الحالات الشديدة في الصحة العصبية.
وأكد أن جراحة العمود الفقري شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً، مع الانتقال من العمليات المفتوحة التقليدية إلى الجراحات محدودة التوغّل، مدعومة بتقنيات مثل الجراحة بمساعدة الروبوت، والتصوير الطبي المتقدم، والتخطيط ثلاثي الأبعاد، والأجهزة التي تحافظ على حركة العمود الفقري.
وأسهمت هذه التطورات في علاج الحالات المعقدة بدقة أكبر، مع تقليل التأثير في العضلات وتسريع التعافي.
وأضاف أن العديد من العمليات التي كانت تستلزم شقوقاً جراحية كبيرة أصبح من الممكن إجراؤها عبر تقنيات طفيفة التوغّل، ما يقلل من تلف الأنسجة والألم بعد الجراحة، ويختصر مدة الإقامة في المستشفى وفترة النقاهة.
كما تتيح المنصات الروبوتية، إلى جانب تقنيات التصوير الحديثة، تخطيط العمليات بدقة وتحديد أفضل المسارات لزراعة الأجهزة قبل بدء الجراحة.
وأشار إلى أن التطورات الحديثة تجاوزت جراحات دمج الفقرات التقليدية لتشمل تقنيات الحفاظ على الحركة، مثل تركيب الأقراص الاصطناعية في الحالات المناسبة، بما يساعد على الإبقاء على حركة العمود الفقري بصورة طبيعية.
كما تُستخدم النماذج المطبوعة ثلاثية الأبعاد في الحالات المعقدة للتخطيط المسبق وتصميم أجهزة تتناسب مع تشريح كل مريض، فيما يسهم الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات السريرية ودعم القرارات العلاجية وتحسين التخطيط الجراحي.
ولفت إلى أن مستقبل رعاية العمود الفقري يتجه نحو تقديم علاجات أكثر دقة وتخصيصاً لكل مريض، مع استمرار التقدم في مجالات الروبوتات والذكاء الاصطناعي والعلاجات البيولوجية، بما يوسع الخيارات العلاجية، ويساعد المرضى على التعافي بصورة أسرع وتحسين جودة حياتهم.