وليد صبري
قال استشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان وأمين سر جمعية أصدقاء الصحة د. إيهاب رخا إن الاكتئاب يُعد من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعاً في العالم، مؤكداً أنه ليس مجرد شعور عابر بالحزن، بل هو حالة طبية معقدة تؤثر في كيمياء الدماغ، وطريقة تفكير الشخص، وكيفية تعامله مع الأنشطة اليومية.
وأضاف د. إيهاب رخا، في تصريحات لـ«الوطن»، أن أعراض الاكتئاب تتنوع وتختلف حدتها من شخص إلى آخر، إلا أنها تشترك في استمرارها لمدة لا تقل عن أسبوعين، وتشمل أعراضاً وجدانية تتمثل في الشعور المستمر بالحزن أو الفراغ أو اليأس، إلى جانب فقدان القدرة على الاستمتاع بالأنشطة التي كانت تمنح الشخص السعادة في السابق.
وأشار إلى أن المرض يترافق أيضاً مع أعراض إدراكية، مثل صعوبة التركيز، وبطء التفكير، والتردد في اتخاذ القرارات، وقد تسيطر على المريض أفكار تتعلق بعدم القيمة أو الشعور المفرط بالذنب.
وأوضح أن الاكتئاب قد يظهر كذلك في صورة أعراض جسدية، تشمل اضطرابات النوم سواء في شكل الأرق أو النوم المفرط، وتغيرات ملحوظة في الشهية والوزن، إضافة إلى الشعور بالتعب المزمن وفقدان الطاقة دون بذل مجهود عضلي.
وأضاف أن الأعراض السلوكية تشمل الانعزال عن الوسط الاجتماعي، وإهمال الواجبات اليومية، وفي الحالات المتقدمة قد تراود الشخص أفكار حول إيذاء النفس، ما يستدعي التدخل الطبي السريع.
وأكد د. رخا أنه لا يوجد سبب واحد مسؤول عن الإصابة بالاكتئاب، بل ينتج عن تفاعل مجموعة من العوامل البيولوجية والوراثية والبيئية والطبية.
وأوضح أن العوامل البيولوجية تتمثل في الدور المحوري للناقلات العصبية في الدماغ، مثل السيروتونين والدوبامين والنورإبينفرين، في تنظيم الحالة المزاجية، مشيراً إلى أن أي خلل في توازن هذه المواد قد يؤدي إلى ظهور أعراض الاكتئاب.
وأضاف أن الدراسات الجينية تشير إلى أن الأشخاص الذين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالاكتئاب يكونون أكثر عرضة للإصابة به، وهو ما يدل على وجود استعداد وراثي كامن.
وأشار إلى أن الصدمات النفسية، وفقدان الأحبة، والضغوط المالية المزمنة، أو العيش في بيئات شديدة التوتر، تُعد من أبرز العوامل البيئية والاجتماعية التي قد تحفز ظهور المرض.
ولفت إلى أن بعض الأمراض المزمنة، مثل أمراض القلب أو الاضطرابات الهرمونية كخمول الغدة الدرقية، قد ترتبط كيميائياً أو نفسياً بظهور الاكتئاب.
وأكد أن الاكتئاب يُعد من الأمراض القابلة للعلاج بنسب نجاح مرتفعة، موضحاً أن بروتوكولات العلاج تعتمد عادة على الدمج بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي، إلى جانب تعديل نمط الحياة.
وأوضح أن العلاج الدوائي يعتمد على استخدام مضادات الاكتئاب لتصحيح التوازن الكيميائي في الدماغ، ومن أشهرها مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، مشدداً على ضرورة تناول هذه الأدوية تحت إشراف طبي دقيق، إذ يستغرق مفعولها عادة من أسبوعين إلى أربعة أسابيع حتى يبدأ بالظهور.
وأضاف أن العلاج النفسي يمثل ركيزة أساسية في علاج الاكتئاب، حيث يركز العلاج المعرفي السلوكي (CBT) على تحديد وتغيير أنماط التفكير السلبية والسلوكيات غير الصحية، بينما يهدف العلاج بين الشخصي (IPT) إلى تحسين العلاقات الاجتماعية وطرق التواصل.
وأشار إلى أن تغيير نمط الحياة يعد عنصراً مهماً في العلاج، مبيناً أن الأبحاث أثبتت أن ممارسة النشاط البدني بانتظام، والحصول على قسط كافٍ من النوم، واتباع نظام غذائي متوازن، تعد جميعها عوامل مساعدة فعالة في تحسين المزاج وتقليل احتمالية الانتكاس.
واختتم د. إيهاب رخا بالتأكيد على أن الاكتئاب مرض طبي حقيقي، وليس علامة على ضعف الشخصية، مشدداً على أن التشخيص المبكر، والالتزام بالخطة العلاجية، يمثلان المفتاح لاستعادة جودة الحياة والاندماج مجدداً في المجتمع بصورة فعالة وصحية.