أكدت الأحداث الأخيرة في المنطقة، بما في ذلك الاعتداءات الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية على البحرين واستهداف منشآت مدنية، أهمية دور المواطن والمجتمع في مواجهة الأزمات وتعزيز الاستقرار الوطني. فقد أثبتت هذه الاعتداءات أن الأمن لا يقتصر على الجبهة العسكرية والأمنية وحدها، التي تؤدي واجبها الوطني بصمود وشجاعة واحترافية، بل يشمل وعي المواطن وسلوكه الإعلامي والوطني، ليكون جزءاً فعّالاً من منظومة حماية البلاد. وفي هذا السياق، تظهر مجموعة من الأدوار التي يمكن للمواطن القيام بها لتعزيز التماسك الوطني ومواجهة حملات التضليل الإعلامي.
يأتي على رأس الأدوار التي يقوم بها المواطنون الاعتماد على المصادر الرسمية الموثوقة للمعلومات، مثل وزارة الداخلية، والقوات المسلحة، ووزارة الخارجية، ووسائل الإعلام الوطنية الرسمية. فخلال الفترات الحرجة، تنتشر الشائعات بسرعة عبر المنصات، وقد أظهرت دراسة «Pennycook. 2020» أن التعرّض للمعلومات المضللة على الشبكات الرقمية يمكن أن يشوه إدراك الأفراد للحقائق ويؤثر في فهمهم للأحداث. كما أظهرت دراسة أخرى أن المواطنين الذين يعتمدون على المصادر الرسمية كانوا أقل عرضة لتصديق الأخبار الزائفة بنسبة تصل إلى 60%، مقارنة بالمستخدمين الذين يعتمدون على المنصات غير الرسمية. وقد اعتمدت مملكة البحرين خلال هذه الاعتداءات على استراتيجيات اتصال حكومي واضحة تركز على توفير معلومات دقيقة وسريعة لتعزيز الثقة بين الحكومة والمجتمع، وهو ما تؤكد عليه دراسات الحوكمة الرقمية التي ترى أن سلامة المعلومات شرط أساسي لاستقرار العلاقة بين الدولة والمواطن. وقد تبنّت دول متقدمة هذه الاستراتيجية في إدارة أزمات مشابهة.
الدور الثاني هو تعزيز الوعي الوطني وروح المواطنة والانتماء. وتشير التجارب الدولية إلى أن المجتمعات الأكثر تماسكاً هي الأقل عرضة لحملات التأثير الخارجي، فيما أظهرت دراسة «Welch ،2018»، أن الحملات الدعائية والتضليلية تستهدف غالباً المجتمعات المنقسمة لأنها أكثر قابلية للاستقطاب والتأثير. كما وجدت أبحاث أخرى أن قوة الانسجام الاجتماعي والمواطنة الفاعلة تقلل من انتشار الدعاية المعادية بنسبة تصل إلى 40% في الفترات الحرجة. ومن هذا المنطلق، يعكس ما شهده الداخل والخارج من وقوف الشعب البحريني صفاً واحداً خلف القيادة الرشيدة خلال الأزمة الحالية قوة التماسك الوطني، وعدم قدرة أي قوى خارجية على اختراق هذا الانسجام، ما يبعث برسالة واضحة بأن المجتمع البحريني -قيادة وشعباً- متماسك وموحد، وقادر على مواجهة التحديات بكفاءة.
أما الدور الثالث فيتمثل في الحذر من الدعاية الخارجية وحملات التضليل الإعلامي. فالأزمات غالباً ما تصاحبها ما يُعرف بـ «الحرب المعلوماتية»، حيث تستخدم بعض الجهات الأخبار المضللة والشائعات لإرباك الرأي العام وتقويض الثقة بالمؤسسات الرسمية. وقد أظهرت دراسة «Bradshaw & Howard» أن الحملات الدعائية الموجّهة تعتمد على منهجيات الصحافة الصفراء، وتزييف الحقائق، واختلاق الأحداث، والتحيّز، ونشر المعلومات غير الموضوعية لتحقيق أهداف سياسية وتنفيذ أجندات المروجين. وفي هذا السياق، يمكن للمواطن أن يسهم في دعم الاستقرار الوطني من خلال وعيه وحرصه على عدم تصديق الشائعات أو الرسائل غير الموثوقة والرفض القاطع لها، فزيادة الوعي الرقمي لدى الأفراد يقلل احتمالية تأثرهم بالمعلومات المضللة بنسبة تصل إلى 30-35% خلال الأزمات.
رابع الأدوار هو عدم إعادة نشر أي محتوى عبر وسائل التواصل.. حيث تشير دراسات الاتصال الرقمي إلى أن إعادة نشر المستخدمين للمحتوى تُعد عاملاً رئيسياً في تضخيم انتشار الأخبار الزائفة؛ إذ يميل الجمهور إلى مشاركة الرسائل والمقاطع بسرعة دون التحقق من مصداقيتها. وقد أظهرت دراسة أجراها باحثون من معهد ماساتشوستس الأمريكي أن الأخبار الكاذبة على المنصة أكثر قابلية لإعادة النشر بنحو 70% مقارنة بالأخبار الصحيحة، كما يمكنها الوصول إلى نحو 1500 مستخدم بسرعة تفوق الأخبار الحقيقية بست مرات. واستندت الدراسة إلى تحليل أكثر من 126 ألف قصة إخبارية تداولها نحو 3 ملايين مستخدم خلال الفترة 2006-2016، وخلصت إلى أن الأخبار الزائفة تنتشر «أبعد وأسرع وأعمق» من الأخبار، لذلك فإن إعادة نشر الجمهور للأخبار يساهم في تضخيم الأخبار الزائفة وانتشارها بسرعة، مما يتعيّن زيادة الوعي لدى الجمهور حتى لا يقع فريسة لهذا التضليل والممارسات المشبوهة.
تبقى الأزمات اختباراً حقيقياً لقوة المجتمعات. فالدولة القوية ليست فقط بما تمتلكه من قدرات عسكرية أو اقتصادية، بل أيضاً بوعي مواطنيها وقدرتهم على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وعلى الحفاظ على تماسكهم الوطني في مواجهة التحديات. وعندما يجتمع الوعي الإعلامي مع الانتماء الوطني والالتفاف حول القيادة، يصبح المجتمع أكثر قدرة على تجاوز الأزمات وتحويلها إلى فرصة لتعزيز وحدته وصلابته. ولذلك فإن دور المواطن أساسي في مواجهة هذه الاعتداءات الإيرانية السافرة والتضليل الإعلامي المشبوه.