ثمة حقيقة يكشفها التأمل في مسار العلاقات الدولية، وتؤكدها تجارب الأمم عبر الزمن: أن أكثر الأخطاء السياسية فداحةً لا تنشأ عن غياب النوايا الحسنة، بل تنشأ عن التوقعات الخاطئة.

حين تُبنى العلاقات بين الدول على الخطاب العاطفي وزخم اللحظة، تتشكل في الأذهان صورة مثالية لا تعكس الواقع. وحين يأتي الاختبار الحقيقي، لا يكون الألم من الموقف وحده، بل من الهوّة الواسعة بين ما توقعناه وما جرى فعلاً.

الخذلان في جوهره ليس فعلاً يرتكبه الآخر، بل هو في الغالب توقع لم يكن ينبغي له أن يُبنى أصلاً.

العلاقات بين الدول، مهما أُسبغ عليها من مسميات الأخوة والوحدة والتضامن، تعود في نهاية المطاف إلى محركها الحقيقي: المصلحة. وهذا قانون ثابت تسير عليه دول العالم كبيرها وصغيرها، في الشرق والغرب على حدٍّ سواء.

من يستوعب هذا القانون يُحسن التعامل مع الواقع، ومن يتجاهله يُعرّض قراراته المصيرية للوهم.

غير أن الواقعية السياسية لا تعني العدمية أو الجفاء، بل تعني وضوح الأسس. فالشراكات النافعة لا تبنيها الشعارات، بل تبنيها العقود الواضحة، والتفاهمات المحددة، والمصالح المتبادلة القابلة للقياس والمتابعة.

شراكة بهذه المواصفات أكثر استدامةً وأجدر بالثقة من تحالفات منسوجة من وعود لا ترسو على أرض صلبة.

ومن أبرز ما تُعلّمه هذه المرحلة: أن الاستثمار في القوة الذاتية هو أولى الأولويات وأكثرها عائداً. الدولة التي تبني مؤسساتها وتطوّر قدراتها العسكرية والاقتصادية والتقنية، وتستثمر في إنسانها، لا تجلس على طاولة المفاوضات محتاجةً، بل تجلس شريكاً يُطلب. القوة لا تُلغي الحاجة للشركاء، لكنها تمنحك حرية اختيارهم وشروط التعامل معهم.

وأخيراً، فإن العلاقات الدولية ليست بطبيعتها علاقات أبدية أو مضمونة، فالمصالح تتبدل بتبدل الظروف، والشراكات تتجدد أو تنتهي وفق ما تقتضيه المعطيات. ولذلك يجب أن تتقن الدول فن إدارة الشراكات الظرفية بعقلانية وبصيرة.