أيمن شكل
يرى خبراء وأكاديميون وخبراء أن الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي والبحث العلمي، إلى جانب تنامي التعاون بين الجامعات والقطاع الخاص، تمثل فرصة تاريخية لترسيخ مكانة البحرين مركزاً إقليمياً للدراسات العليا خلال العقد المقبل، شريطة تعزيز البحث العلمي، وتطوير التخصصات المستقبلية، وتوسيع الشراكات العالمية، وبناء منظومة متكاملة تربط التعليم والابتكار والتنمية الاقتصادية.
ففي وقت تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية عالمياً، تبرز الدراسات العليا باعتبارها أحد أهم أدوات بناء اقتصاد المعرفة وصناعة الكفاءات القادرة على قيادة المستقبل. وفي مملكة البحرين، لم يعد تطوير برامج الماجستير والدكتوراه مسؤولية الجامعات الحكومية وحدها، بل أصبحت الجامعات الخاصة شريكاً رئيسياً في هذا المسار عبر التوسع في البرامج المتخصصة، وتعزيز الشراكات الأكاديمية الدولية، وتبني نماذج تعليمية أكثر مرونة وارتباطاً باحتياجات سوق العمل.
وأكد الأساتذة والأكاديميون لـ«الوطن» أن قطاع التعليم العالي الخاص في مملكة البحرين استطاع أن يمثل أحد أبرز ملامح التحول في خريطة الدراسات العليا خلال العقدين الماضيين، وأسهمت الجامعات الخاصة في جعل الدراسات العليا خياراً واقعياً، من خلال شراكات في برامج مزدوجة الشهادة مع جامعات عالمية.
وشددوا على أن التنوع الأكاديمي يُسهم بقوة في توفير حلول تخدم الصناعة والمجتمع، ودعوا إلى بناء بيئة متكاملة تشمل التشريعات والقطاعين الحكومي والخاص والجامعات، لتمويل الأبحاث وتقاسم التكاليف والتنسيق الاستراتيجي بين الجامعات، باعتباره ضرورة اقتصادية وعلمية في ظل التكاليف الباهظة للدراسات العليا والبحث والتطوير.
وأكدت د. رنا صوايا رئيس كلية البحرين الجامعية أن الجامعات الخاصة في مملكة البحرين تلعب دورًا محوريًا في دعم وتطوير القطاع الأكاديمي، من خلال تعزيز جودة التعليم العالي وتقديم برامج أكاديمية حديثة تتوافق مع احتياجات سوق العمل والمتغيرات العالمية المتسارعة، كما تسهم في تنويع التخصصات الأكاديمية وإتاحة فرص تعليمية مرنة تسهم في تعزيز تنافسية منظومة التعليم العالي في المملكة.
وقالت: في كلية البحرين الجامعية، نحرص على تبني أحدث أساليب التعليم والتعلم، ودمج التقنيات الحديثة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، إلى جانب تنمية مهارات الطلبة وتعزيز قدراتهم البحثية والتطبيقية، وبناء شراكات فاعلة مع مؤسسات المجتمع والقطاع الخاص لدعم التدريب والتوظيف.
وأضافت: تعد الجامعات الخاصة شريكًا أساسيًا في تحقيق رؤية البحرين نحو بناء اقتصاد معرفي مستدام، ونحن في كلية البحرين الجامعية ملتزمون بمواصلة الارتقاء بالعملية التعليمية وتعزيز الابتكار والتميز الأكاديمي، وتوفير بيئة تعليمية محفزة تسهم في إعداد خريجين قادرين على المنافسة محليًا وإقليميًا وعالميًا، بما يعزز مكانة البحرين كمركز رائد للتعليم العالي في المنطقة.
من جانبه أوضح عميد كلية الدراسات العليا للتربية والعلوم الإدارية والتقنية، أ.د. وليد زباري، أن الجامعات الوطنية يجب أن تكون القاطرة الرئيسية للجودة والاعتماد الأكاديمي العالمي، وأن تواكب مخرجاتها مع الاحتياجات الوطنية للبحرين، والرؤية الاقتصادية 2030، وما سيأتي بعدها من رؤى وخطط وبرامج حكومية، ويكون ذلك عبر برامج بحثية وتطبيقية تخدم أولويات البحرين، مثل الطاقة والمياه والغذاء، والخدمات المالية، والتحول الرقمي، وغيرها من الأولويات، ويُنتظر منها قيادة سياسات التعليم العالي، وتوطين الكفاءات التدريسية البحرينية، ونقل المعرفة للقطاعين العام والخاص عبر الاستشارات والتدريب.
وقال زباري إن دور الجامعات الخاصة يأتي مكملاً لدور الجامعات الوطنية، ويتمثل في سد الفجوات التخصصية الحديثة التي لا تغطيها الجامعات الحكومية بكثافة، وتتماشى مع متطلبات سوق العمل المتسارعة، وذلك بسبب سهولة الحركة في الجامعات الخاصة، واتخاذ القرار لديها مقارنة بالجامعات الحكومية، ولكن يُشترط عليها المنافسة في الجودة عبر الاعتمادات الدولية والالتزام بالنزاهة المالية والأكاديمية.
وحول التخصصات المستقبلية المطلوبة في سوق عمل مملكة البحرين ودول مجلس التعاون بشكل عام اتفق مع جميع الخبراء على أنها وظائف مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني وتحليل البيانات الضخمة، وهندسة وإدارة الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، والاستدامة والإدارة والامتثال البيئي، والطرق المتقدمة في الإنتاج الغذائي، إدارة المشاريع، ودمج المهارات القيادية والإدارية والثقافية مع التخصصات التقنية والهندسية.
وفي السياق ذاته، وصف د. محمد العنزي، الأكاديمي المتخصص في القانون، دور الجامعات الخاصة في تطوير الدراسات العليا الأكاديمية المتخصصة في مملكة البحرين بالإيجابي والمتنامي، والذي يُعدّ مكملاً أساسياً للجامعات الحكومية، مشيراً إلى أن قطاع التعليم العالي الخاص بالمملكة شهد نمواً ملحوظاً منذ بداية الألفية الجديدة، وساهمت مؤسسات مثل جامعة العلوم التطبيقية (ASU)، وكلية البحرين الجامعية (UCB)، وجامعة البحرين للتكنولوجيا (UTB)، وغيرها، في زيادة الطاقة الاستيعابية وتنويع البرامج، خاصة في مرحلة الدراسات العليا.
وفصّل العنزي أبرز جوانب هذا الدور في زيادة فرص الوصول والمرونة، إذ تُقدّم الجامعات الخاصة برامج ماجستير ودكتوراه في مجالات متخصصة مثل القانون التجاري، والمحاسبة والتمويل، وتحليلات الأعمال، وعلوم الحاسوب، والإعلام، والعلاقات الدولية، وبعضها باللغة العربية، وهو ما يسمح للعاملين والمهنيين بمواصلة الدراسة دون التخلي عن وظائفهم، بفضل الجدولة المرنة والبرامج المسائية أو المدمجة.
كما لفت إلى تميز برامج الجامعات الخاصة بالتركيز على الجانب التطبيقي والمهني والصلة الوثيقة بسوق العمل، من خلال شراكات مع جهات محلية ودولية، وبرامج مزدوجة الشهادة (Dual Awards) مع جامعات بريطانية وغيرها، مؤكداً أن ذلك يعزّز الكفاءات الوطنية في مجالات مثل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتمويل الإسلامي، وإدارة الهندسة.
بدورها أكدت أستاذ القانون الجنائي والجنائي الدولي المشارك د. نورة الشملان أن الجامعات الخاصة أصبحت شريكاً أساسياً في تطوير منظومة التعليم العالي في مملكة البحرين، خصوصاً في مجال الدراسات العليا الأكاديمية والمهنية المتخصصة. وقد أسهمت هذه الجامعات في توفير برامج متنوعة تلبي احتياجات سوق العمل والمتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، إلى جانب إتاحة فرص أوسع للطلبة لمواصلة دراساتهم داخل المملكة.
وأوضحت أن العلاقة بين القطاعين العام والخاص في التعليم العالي هي علاقة تكامل وتنافس إيجابي في الوقت ذاته، فكلما ازداد مستوى التنافسية بين المؤسسات التعليمية ارتفعت جودة البرامج الأكاديمية والبحثية والخدمات المقدمة للطلبة، وهو ما يصب في النهاية في مصلحة التعليم الوطني ومخرجاته.
وقالت إن مملكة البحرين تمتلك تاريخاً عريقاً في الريادة التعليمية والحراك الفكري والثقافي على مستوى المنطقة، ما يؤهلها لأن تكون مركزاً إقليمياً وعالمياً للتعليم العالي والدراسات العليا.
وحول المأمول مستقبلاً، قالت د.نورة إن ذلك يتمثل في تعزيز الاستثمار في برامج الدراسات العليا النوعية المرتبطة باحتياجات الاقتصاد الوطني، ودعم البحث العلمي والابتكار، واستقطاب الكفاءات الأكاديمية الدولية، إضافة إلى جذب الطلبة من مختلف دول العالم، وليس فقط من دول الخليج.
كما أن استمرار التعاون بين الجهات التنظيمية والجامعات الخاصة سيُسهم في رفع جودة البرامج الأكاديمية وترسيخ مكانة البحرين كوجهة تعليمية متميزة على المستويين الإقليمي والدولي. وأكدت أن تطوير الدراسات العليا في الجامعات الخاصة لا يخدم المؤسسة التعليمية فحسب، بل ينعكس مباشرة على التنمية الوطنية وإعداد كوادر قادرة على قيادة المستقبل ودعم تنافسية مملكة البحرين في مختلف المجالات.
وكذلك أكد أستاذ القانون د. بدر محمد عادل أن الجامعات الخاصة في البحرين لعبت دوراً في تطوير مسار الدراسات العليا الأكاديمية المتخصصة، وأظهرت التجربة المحلية قدرة هذه الجامعات على تكوين بيئة بحثية وتعليمية مرنة تتجاوب مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية الوطنية، من خلال تنويع البرامج والشراكات العملية والمرونة الأكاديمية. وقال إن المأمول من هذه الجامعات الخاصة مستقبلاً - ولتعزيز هذا المسار - يتمثل في رفع مستوى الجودة المؤسسية عبر توحيد معايير جودة صارمة وتوسيع نطاق الاعتمادات المحلية والدولية، وربط التمويل والحوافز بمؤشرات أداء بحثية وتعليمية واضحة.
كما دعا إلى تعزيز البنية البحثية من خلال إنشاء مراكز بحثية متخصصة داخل الجامعات الخاصة، وتوفير منح وبنى تحتية بحثية تشجع البحث التطبيقي والابتكار، مثل المختبرات المتقدمة وقواعد البيانات والمنصات التجريبية، إلى جانب وضع سياسات وطنية تشجع التكامل بين الجامعات الخاصة والعامة والقطاع الصناعي عبر برامج تمويل مشتركة، ومشروعات تخرج مشتركة، وشبكات تبادل معرفي.
وأشار إلى أهمية بناء قدرات هيئة التدريس من خلال توظيف كوادر بحثية محلية ودولية ذات خبرة، ودعم التطوير المهني المستمر، وتوفير زيارات بحثية ومنح دراسية لتعزيز الخبرات الأكاديمية، فضلاً عن تطوير مناهج وبرامج في مجالات استشرافية مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والاقتصاد الأخضر، وإدارة المخاطر، مع التركيز على المهارات التطبيقية وريادة الأعمال.
كما دعا إلى تبنّي سياسات تمويل ومِنَح دراسية لتعزيز وصول الطلبة الموهوبين من مختلف الخلفيات الاجتماعية والقطاعات، مع الحفاظ على الاستدامة المالية للمؤسسات، واعتماد مؤشرات وطنية لقياس أثر الدراسات العليا على سوق العمل والتنمية الوطنية، وإعداد خطط استراتيجية بعيدة المدى لتوجيه الاستثمار الأكاديمي، وتشجيع التحول الرقمي والمناهج الحديثة عبر دمج تقنيات التعليم الحديثة ومنصات التعلم التفاعلية وأساليب التدريس المبنية على المشاريع لتحسين جودة التعلم ومخرجاته.
لكن أستاذ الفيزياء د. محمد العثمان أفاد بأن المشكلة الأساسية التي تواجه البحث العلمي والدراسات العليا في منطقة الخليج العربي تتمثل في أن التركيز منصب على النشر في مجلات ذات معامل تأثير عالٍ بهدف إثراء السيرة الذاتية والحصول على الترقيات، لا على حل مشكلات حقيقية قائمة، سواء كانت ظواهر اجتماعية وقانونية أو تحديات تواجه الشركات والمصانع.
وقال: لدينا قناعة بأن البحث العلمي والدراسات العليا لا يمكن أن ينهضا بمعزل عن بيئة متكاملة تشمل التشريعات والجهات الحكومية والقطاع الخاص من شركات ومصانع، إلى جانب الجامعات.
ففي النموذج المتقدّم، يتم تخصيص جزء من أرباح الشركات للبحث والتطوير، ولا يُفصل هذا النشاط عن الجامعات، بل يُطرح على شكل مشكلات تعلن عنها الجهات الصناعية، وتتقدم الجامعات والباحثون بمقترحات لحلها، ثم تبدأ الشركات بتمويل مشروعين أو ثلاثة مشاريع واعدة، وتُركز تمويلها على الحل الأكثر كفاءة.
ونوه د. العثمان بالتجارب الدولية، حيث تستثمر الجامعات نفسها في البحث العلمي، وتجني عوائد مالية منه. فحين يتقدم باحث بمشروع لحل مشكلة لدى شركة أو جهة حكومية، تضيف الجامعة تكاليف غير مباشرة تُعرف بـ«الأوفرهيد» تتراوح بين 30% و50% من قيمة المشروع، ويُدرج هذا المبلغ في الموازنة المقترحة بكل شفافية، ويُخصص لدعم تشغيل الورش والمختبرات ورواتب الفنيين والمتخصصين، بما يضمن استدامة الدراسات العليا. وأكد أن هذا لا يحدث محلياً، حيث تتحمل الجامعة وحدها تمويل البحث العلمي.
وأكد د. العثمان أن البنية التحتية المساندة للأبحاث التطبيقية لا تقتصر على البحوث المكتبية، بل تشمل ورشاً إلكترونية وميكانيكية وكهربائية متطورة، يعمل بها فنيون وخبراء يحملون درجات الماجستير والدكتوراه، ويشاركون في إيجاد الحلول التقنية.