مها الدخيل

كلما أنتهت فترة الامتحانات الدراسية، يتكرر السيناريو ذاته: «منازل تتحول إلى غرف استنفار وأسر تترقب النتائج بقلق وطلاب يعيشون تحت ضغط نفسي متواصل» وكأن مستقبلهم بأكمله يتوقف على رقم يُكتب في كشف الدرجات. وبين هذا الانشغال بالمعدل الفصلي والتراكمي، يغيب السؤال الأهم: (ماذا تعلّم الطالب بالفعل؟)

فالدرجات وُجدت في الأصل لقياس جانب من جوانب التعلم، لكنها تحولت مع مرور الوقت إلى الغاية ذاتها، فأصبح المعدل الدراسي معياراً للحكم على قدرات الطالب، ومصدراً لثقته بنفسه، وأحياناً مقياساً لمكانته في نظر أسرته ومدرسته ومجتمعه. وهكذا انتقل التركيز من بناء المعرفة إلى جمع الدرجات، ومن تنمية التفكير إلى تعظيم النتائج.

فهذه الثقافة تركت أثرها الواضح على طبيعة التعلم داخل القاعات الدراسية، فعندما تصبح الدرجة هي الهدف، يميل الطالب إلى الحفظ أكثر من الفهم، وإلى استرجاع الإجابات النموذجية بدلاً من تحليلها أو مناقشتها، كما يتجنب طرح الأسئلة أو تجربة أفكار جديدة خشية الوقوع في الخطأ، وكأن الخطأ عيب يجب إخفاؤه، لا فرصة للتعلم والنمو.

لكن المشكلة لا تقف عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى شخصية الطالب نفسها، فالخوف المستمر من خسارة الدرجات يضعف روح المبادرة، ويجعل كثيراً من الطلاب يفضلون الطرق المألوفة على الطرق الجديدة، ويبحثون عن الإجابة «النموذجية» أكثر من بحثهم عن الفهم الحقيقي، وبالتالي تتراجع مهارات التفكير النقدي والإبداع، ويصبح مفهوم النجاح هو «تجنب الخطأ».

والمفارقة أن العالم الذي نعد أبناءنا لدخوله لم يعد يقيس النجاح بهذه الطريقة، ففي عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أصبحت المعلومات متاحة بضغطة زر، ولم يعد التميز قائماً على حفظ المعلومات، بل على القدرة على تحليلها وتقييمها وربطها وتوظيفها لحل المشكلات وابتكار حلول جديدة. ولهذا أصبحت مهارات التفكير النقدي والإبداع والعمل الجماعي، والتواصل، من أكثر المهارات طلباً في الجامعات وسوق العمل.

ولذلك لم تعد كثير من الجامعات المرموقة وأصحاب العمل يكتفون بالنظر إلى المعدل الدراسي وحده، بل يهتمون أيضاً بالمشروعات، والبحث العلمي، والأنشطة، والعمل التطوعي، والمهارات الشخصية، لأنها تقدم صورة أكثر شمولاً عن إمكانات الفرد وقدرته على التعلم والإنجاز.

كما إن التقدم العلمي لم يُبنَ على النجاح المتواصل، بل على محاولات متكررة، كثير منها انتهى بالفشل قبل أن يقود إلى الاكتشاف. فالخطأ ليس نقيض التعلم بل أحد أهم مراحله، والباحث الحقيقي لا يخشى السؤال الذي لا يعرف إجابته، لأنه يدرك أن كل معرفة جديدة تبدأ بسؤال.

وبالتالي فإن إصلاح التعليم لا يقتصر على تطوير المناهج أو تحديث التقنيات، بل يبدأ بإعادة النظر في فلسفة النجاح نفسها. نحن بحاجة إلى بيئات تعليمية تكافئ الفضول، وتشجع الحوار، وتمنح الطالب مساحة للتجربة، وتتعامل مع الخطأ بوصفه جزءاً طبيعياً من عملية التعلم.

وليس المقصود التقليل من أهمية الدرجات، فهي تظل مؤشراً مهماً على التحصيل والانضباط، لكنها لا ينبغي أن تكون المعيار الوحيد للحكم على الإنسان، أو على مستقبله، فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الدرجات التي جمعها الطالب، بل بقدرته على التفكير وتحويل المعرفة إلى أثر.

* باحثة في الإعلام الرقمي وتكنولوجيا الاتصال والذكاء الاصطناعي