سيد حسين القصاب

تواصل مملكة البحرين ترسيخ حضورها المتقدم في مسيرة التحول الرقمي وتوظيف التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، من خلال تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية التي تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات، بما يدعم أهداف التنمية الوطنية، ويعزز كفاءة الخدمات الحكومية والقدرة التنافسية للمملكة إقليمياً ودولياً.

ويأتي ذلك بالتوازي مع تحقيق البحرين حضوراً متقدماً في المؤشر العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي لعام 2026، إلى جانب تدشين السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي وتبني الميثاق الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي المعتمد خليجياً، بما يعكس توجهاً وطنياً نحو بناء منظومة متكاملة لحوكمة هذه التقنية، تجمع بين الابتكار والمسؤولية وحماية الإنسان والبيانات.

البحرين ضمن الدول العربية الأكثر تقدماً في حوكمة الذكاء الاصطناعي لعام 2026

حققت مملكة البحرين إنجازاً تنموياً ورقمياً جديداً يعكس التزامها ببناء بيئة تكنولوجية آمنة ومستدامة، حيث أظهر المؤشر العالمي الصادر عن المركز العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي لعام 2026 تواجد المملكة ضمن قائمة الدول العربية الأكثر تقدماً في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، مسجلةً 30.49 نقطة في التقييم الإجمالي للمؤشر.

ويعكس هذا التقدم الجهود الوطنية المبذولة في تطوير قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، وتعزيز البيئة التنظيمية والتشريعية المرتبطة بالتقنيات الحديثة، بما يدعم توجه المملكة نحو توظيف الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة وفعالة ومسؤولة.

ويعتمد المؤشر العالمي لحوكمة الذكاء الاصطناعي على نظام تنقيط من 100 نقطة لقياس مستوى الحوكمة الفعلي في الدولة، مستنداً إلى متوسط خمسة أبعاد رئيسية تشمل الجاهزية المؤسسية والقدرات التقنية والبنية التحتية.

ويركز التقييم كذلك على قوة وتكامل منظومة القوانين والتشريعات المنظمة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب رصد الممارسات الفعلية والتطبيق الميداني للأطر الأخلاقية في البيئات التشغيلية، حيث تعكس الدرجة المسجلة مستوى البيئة التشريعية والتنظيمية المرتبطة بحوكمة الذكاء الاصطناعي.

سياسة وطنية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي

ومن ضمن المبادرات الرامية، والتي وضعت مملكة البحرين ضمن الدول العربية الأكثر تقدماً في حوكمة الذكاء الاصطناعي، هو تنفيذ توجيهات وزير الداخلية رئيس اللجنة الوزارية لتقنية المعلومات والاتصالات الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، للسياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي، حيث أعلنت هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية بعام 2025 عن تدشين السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي عبر موقعها الإلكتروني الرسمي، إلى جانب تبني الميثاق الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي المعتمد من قبل اللجنة الوزارية للحكومة الإلكترونية بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

وتهدف السياسة إلى وضع إطار متكامل لتنظيم استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مملكة البحرين، وضمان الاستفادة منها بما يتماشى مع الأهداف الوطنية، وبما يعزز توظيف هذه التقنيات في دعم مسيرة التنمية والتحول الرقمي.

وأكد الرئيس التنفيذي لهيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية محمد القائد أن مملكة البحرين تسعى من خلال إطلاق السياسة الوطنية إلى تعزيز تسخير تقنية الذكاء الاصطناعي لدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ورفع كفاءة الأداء الحكومي في مختلف القطاعات الحيوية.

وأوضح أن السياسة تستهدف ضمان الاستخدام الآمن والمسؤول للذكاء الاصطناعي، بما يتماشى مع أهداف رؤية البحرين الاقتصادية 2030 وأهداف التنمية المستدامة، مع مراعاة الجوانب الأخلاقية والتشريعية والمعايير الوطنية والدولية المعتمدة.

وأشار القائد إلى أن السياسة الوطنية تركز على أهمية الامتثال للقوانين الوطنية ذات العلاقة، وفي مقدمتها قانون حماية البيانات الشخصية، وقانون حماية وثائق ومعلومات الدولة، وسياسة البيانات المفتوحة، إلى جانب الميثاق الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الذي تم تبنيه في إطار التعاون الخليجي المشترك.

وبيّن أهمية الدور الذي تضطلع به الجهات الحكومية في توعية وتثقيف الكوادر الوطنية وتمكينها من التعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي بكفاءة واحترافية، لافتاً إلى جهود الهيئة في توفير البرامج التدريبية وورش العمل التي تسهم في تعزيز وعي موظفي الوزارات والهيئات الحكومية بالتطبيقات والفرص المرتبطة بهذه التقنيات، خصوصاً في المجالات الحيوية كالصحة والتعليم والخدمات العامة.

وأكد أن الجهات الحكومية في مملكة البحرين تعمل على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية بصورة عملية ومنهجية، بما يضمن توحيد وضبط المبادرات والاستثمارات ذات الصلة بالذكاء الاصطناعي في القطاع الحكومي، ورفع كفاءة الأداء وتسريع الإجراءات وتحقيق قيمة مضافة للمواطنين والمقيمين.

ولفت إلى أن الهيئة تطمح من خلال هذا الإطار الوطني إلى تعزيز ثقة المجتمع بالتقنيات الحديثة، وبناء مجتمع مبتكر ومستدام قائم على التحول الرقمي، بما يدعم مكانة البحرين إقليمياً في مجال الذكاء الاصطناعي.

وأوضحت هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية أن السياسة الوطنية تستهدف المسؤولين والموظفين المعنيين بتنفيذ وتطوير الخدمات الرقمية في الجهات الحكومية والمؤسسات العامة، إلى جانب صناع القرار والمشرعين، والمجتمع الأكاديمي والباحثين في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، فضلاً عن المواطنين والمقيمين المستفيدين من الخدمات الحكومية الذكية والجهات المعنية بالتوعية والتدريب.

وبينت الهيئة أن السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي ترتكز على أربعة عناصر رئيسية، تتمثل في الالتزام بالتشريعات والسياسات وتبني واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ونشر الوعي والتثقيف، وتعزيز التعاون المحلي والدولي، بما يسهم في تفعيل الشراكات وتبادل المعرفة والخبرات مع مختلف الجهات.

ميثاق خليجي لترسيخ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

أما الميثاق الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، فأوضحت الهيئة أنه يأتي كوثيقة مكملة للسياسة الوطنية التي تتبناها المملكة، ويستند إلى القيم الخليجية المشتركة، بهدف ضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بما ينسجم مع القيم الإنسانية والتشريعات المحلية.

وأكدت الهيئة أن الميثاق يولي أهمية لعدد من القيم المحورية، من أبرزها احترام كرامة الإنسان، ومراعاة الشريعة الإسلامية والهوية الوطنية لدول مجلس التعاون، وتعزيز التعاون الخليجي، إلى جانب حماية البيئة وتحقيق الاستدامة ورفاهية الإنسان.

وأشارت إلى أن الميثاق يرتكز على أربعة مبادئ توجيهية أساسية، تتمثل في دعم استقلالية الإنسان وصنع القرار، وضمان سلامة الأنظمة ومنع الأذى، وتحقيق العدالة والإنصاف وعدم التمييز، إلى جانب حماية الخصوصية وحفظ البيانات.

واختتمت هيئة المعلومات والحكومة الإلكترونية بالتأكيد على أن التكامل بين السياسة الوطنية للذكاء الاصطناعي والميثاق الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي يسهم في ترسيخ منظومة حوكمة قائمة على القيم والمسؤولية في مملكة البحرين، بما يضمن الاستخدام الأخلاقي والفعال لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ويدعم التحول الرقمي المؤسسي، ويعزز ثقة المجتمع، ويسهم في بناء مجتمع مبتكر ومستدام.