بقلم: المحامية فاطمة علي منصور بن رجب

لا يخفى على أحد ما أولته مملكة البحرين من عناية بالغة بتنظيم مسائل الأسرة، باعتبارها اللبنة الأساسية في بناء المجتمع واستقراره، وما بذله المشرّع البحريني من جهد في سبيل تطوير المنظومة التشريعية ذات الصلة بالأحوال الشخصية، بما يحقق قدراً أكبر من الاستقرار الأسري ويكفل حماية حقوق أفراد الأسرة، وبالأخص الزوجين والأبناء.

وقد جاء القانون رقم (19) لسنة 2017 بإصدار قانون الأسرة في إطار هذا التوجه التشريعي، ليعالج جانباً مهماً من أوجه القصور التي كشفت عنها التطبيقات العملية للتشريعات السابقة، وليضع إطاراً قانونياً أكثر وضوحاً وتنظيماً للعديد من المسائل الأسرية التي كانت محل خلاف أو تفاوت في التطبيق.

ولاشك أن صدور القانون المذكور أسهم بصورة ملموسة في تنظيم العديد من المسائل الأسرية والحد من الإشكالات العملية التي كانت تثار بشأنها، إلا أن القوانين بطبيعتها تظل قابلة للتطوير والمراجعة في ضوء ما تكشف عنه التجربة العملية من مستجدات، وما يفرزه التطبيق القضائي من إشكالات وتحديات.

ومن هذا المنطلق، قرأت باهتمام ما كتبته الأستاذة سوسن الشاعر في مقالها «ضرورة المراجعة». وأرى أن الدعوة إلى مراجعة بعض أحكام قانون الأسرة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها اعتراضاً على القانون أو تقليلاً من قيمة صدوره، بل قد تكون في حقيقتها حرصاً على استكمال ما تحقق والبناء عليه.

ومن ثم، فإن الغاية من هذه الملاحظات تتمثل في طرح بعض المسائل التي كشفت الممارسة العملية عن حاجتها إلى مزيد من التنظيم أو التوضيح أو إعادة النظر، سواء بالإضافة أو التعديل أو الحذف، بما يسهم في استكمال البناء التشريعي لقانون الأسرة، ويجعله أكثر قدرة على مواكبة الواقع العملي وتحقيق الغاية التي استهدفها المشرّع من إصداره.

ولهذا، ربما لا يفيد كثيراً أن نحصر النقاش في سؤال: هل كان قانون 2009 أفضل أم قانون 2017؟ فالأهم هو أن ننظر إلى ما حدث بالفعل، وأن نسأل: أين نجح النص الحالي؟ وأين ظهرت صعوبات تستحق المراجعة؟

ومثال على ذلك مسألة الولاية في الزواج. فقد نظم القانون الحالي انتقال الولاية في بعض حالات غياب الولي أو تعذر الوصول إليه، مع بقاء دور القضاء في حالات العضل وعدم وجود الولي. ولذلك فإن القول بأن دور القضاء قد اختفى ليس دقيقاً. لكن يبقى السؤال العملي قائماً: ماذا لو استغرق الوصول إلى الولي التالي وقتاً ترتب عليه ضرر أو تعطيل لمصلحة المرأة؟

هنا يمكن دراسة مدى الحاجة إلى منح القضاء مرونة أكبر في التدخل، على أن يكون ذلك وفق ضوابط محددة تمنع التعسف وتحفظ الغاية من الولاية، دون أن تتحول الإجراءات المتعلقة بها إلى سبب لتعطيل الزواج دون مبرر.

وفي نفقة الأبناء، لا ينبغي أن تتحول عبارة «قدر الكفاية» إلى مجرد توفير الحد الأدنى من الطعام والمسكن. فالنفقة بطبيعتها ترتبط بقدرة الأب، وحال الأبناء، ومستواهم المعيشي، والزمان والمكان والعرف. ومن المفيد أن تكون النصوص أكثر وضوحاً في حماية الطفل من التراجع غير المبرر في تعليمه أو مستوى معيشته، بقدر ما تسمح به قدرة والده وظروفه المالية. فالطلاق يقع بين الزوجين، أما الطفل فلا ينبغي أن يصبح الخاسر الأول بعده.

والأمر قريب من ذلك في الحضانة؛ فإن مصلحة المحضون حاضرة بالفعل في النص والعمل القضائي، وليس المقصود منها انتصار الأب على الأم أو العكس، وإنما الوصول إلى ما يحقق مصلحة الطفل. كما أن الممارسة القضائية تستعين بالمتخصصين النفسيين والاجتماعيين متى اقتضت طبيعة الحالة ذلك، بما يساعد المحكمة في تقدير الظروف الأسرية والنفسية والتعليمية للمحضون.

ومن ثم، فإن هذه المسألة لا تبدو في حاجة إلى استحداث آلية جديدة بقدر ما تؤكد أهمية الاستمرار في ترسيخ مبدأ تغليب مصلحة المحضون عند الفصل في منازعات الحضانة، وتطوير الأدوات التي تعين القضاء على الوصول إلى التقدير الأكثر ملاءمة لكل حالة.

أما تطليق الزوجة بسبب حبس الزوج، فإن القانون الحالي يشترط تحقق الضرر دون ربط الحق بمدة حبس معينة. وهنا يمكن طرح سؤال مشروع: إذا امتدت مدة الحبس لسنوات، فهل تظل الزوجة مطالبة في كل الأحوال بإثبات الضرر، أم يمكن بعد مضي مدة محددة اعتبار الضرر مفترضاً ما لم يثبت العكس؟

المسألة هنا تستحق دراسة أثر النص في الواقع العملي، ومدى ملاءمة الإبقاء على عبء إثبات الضرر في جميع الحالات، دون اتخاذ موقف مسبق من الحكم التشريعي، وإنما بالنظر إلى مدى تحقيقه للتوازن بين استقرار الأسرة ورفع الضرر عن الزوجة.

كذلك، فإن الرجوع إلى الأحكام الفقهية عند غياب النص يحقق مرونة يحتاجها القضاء، وقد يكون من المفيد، إلى جانب ذلك، العمل على مزيد من استقرار المبادئ والمعايير القانونية ذات الصلة، من خلال المبادئ القضائية والأدلة الاسترشادية والتدريب المتخصص، بما يعزز وضوح التطبيق ويوفر قدراً أكبر من الاتساق في معالجة المسائل المستجدة.

ومن المسائل التي قد تستحق المراجعة التشريعية، وفي إطار المرجعية الفقهية لكل شق، مدى ملاءمة توسيع السلطة التقديرية للمحكمة في الخلع وفق الفقه الجعفري، ولاسيما عند تعنت الزوج ورفضه الخلع أو المغالاة في مقدار البذل، بما يحقق التوازن بين مقتضيات المرجعية الفقهية وحماية الزوجة من التعليق، دون إخلال بالضوابط الشرعية الحاكمة للخلع.

كما يمكن دراسة تنظيم وتوسيع نطاق الاستعانة بالبصمة الوراثية في منازعات النسب باعتبارها وسيلة فنية مساندة، بما يتيح للمحكمة الاستفادة من التطور العلمي في التحقق من الأنساب وحسم المنازعات المتعلقة بها، مع مراعاة حجية قاعدة وضوابطها الشرعية، وبما ينسجم مع الأحكام الشرعية والقواعد القانونية المستقرة في ثبوت النسب ونفيه.

كما تستحق القاعدة الواردة في المادة (35) بشأن التنازع في قبض الصداق، في الشق السني، دراسة مدى ملاءمة تطوير قواعد الإثبات فيها، بما يكفل وضوحاً أكبر في التطبيق وحماية متوازنة للحقوق، وبما يراعي طبيعة المنازعة والوسائل المتاحة لإثباتها.

وفي قضايا النفقة والتنفيذ تحديداً، من المهم التفرقة بين الممتنع عن الوفاء مع قدرته عليه، وبين المعسر الحقيقي الذي تحول ظروفه المالية دون الوفاء. فالأول يحتاج إلى إجراءات تنفيذية فعالة تحول دون التهرب من الالتزام، أما الثاني فلا يصح معاملته وكأنه يرفض الوفاء رغم قدرته عليه، بما يستدعي تحقيق التوازن بين حماية حقوق مستحقي النفقة ومراعاة القدرة المالية الحقيقية للمنفذ ضده.

وفي النهاية، فإن مراجعة قانون الأسرة ليست انتقاصاً مما تحقق، وإنما وسيلة لحماية هذا الإنجاز وتطويره. فالتشريع الذي يستند إلى الواقع، ويستفيد من التجربة القضائية، ويستجيب لمتغيرات المجتمع، يكون أكثر قدرة على تحقيق الغاية الأسمى منه: عدالة أسرية تحفظ الحقوق، وتصون استقرار الأسرة، وتضع مصلحة الإنسان في مقدمة الاعتبار.

* عضو لجنة المرأة بجمعية المحامين البحرينية