وليد صبري

- التقرير الحقوقي وثّق الانتهاكات الإيرانية بـ11 محوراً

- تمويل حكومي مؤقت لصندوق جبر الضرر لحين استرداد التعويضات دولياً

- تحركات مقترحة عبر آليات الأمم المتحدة لمساءلة إيران وجبر الأضرار

- الاعتداءات الإيرانية طالت الحق في الحياة والصحة والسكن والتعليم والعمل

- رصد أضرار جراء الاعتداءات الإيرانية بمنشآت تجارية وصناعية ونفطية وتعليمية

- حالات من مصابي العدوان الإيراني استدعت الجراحة وعناية مركزة وعلاج خارج البحرين

- الأطفال والنساء وكبار السن وذوو الإعاقة في صدارة الفئات المستهدفة بالدعم

- تقارير دورية مستقبلية لتقييم الآثار الإنسانية والحقوقية للاعتداءات الإيرانية

قال رئيس المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان علي الدرازي إن التقرير الحقوقي الذي أصدرته المؤسسة بشأن الاعتداءات الإيرانية الإرهابية وثّق الانتهاكات ضمن 11 محوراً، وأسهم في دعم مسارات المساءلة والتعويض، بما يجعله مرجعاً قانونياً وحقوقياً يمكن الاستناد إليه أمام الهيئات والآليات الوطنية والدولية المختصة.

وأضاف الدرازي، في حوار مع «الوطن»، أن المرحلة المقبلة ستشهد العمل على برامج وطنية متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي وإعادة التأهيل إثر اعتداءات إيران الإرهابية، موضحاً أن التوثيق الحقوقي للاعتداءات تناول الفترة من 28 فبراير إلى 11 يونيو، وشمل 11 محوراً رئيسياً، إلى جانب توفير الدعم النفسي لأسر وأطفال تعرضوا لحالات خوف وهلع جراء الاعتداءات.

وأشار إلى أن التقرير دعا إلى إنشاء صندوق وطني لتعويض المتضررين من الاعتداءات الإيرانية، على أن يحظى بتمويل حكومي مؤقت من الموازنة العامة أو برامج الدعم الوطنية إلى حين استرداد التعويضات دولياً، لافتاً إلى أن المؤسسة دعت كذلك إلى دراسة إمكانية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، واقترحت تحركات عبر آليات الأمم المتحدة لمساءلة إيران وجبر الأضرار.

وأكد الدرازي أن الاعتداءات الإيرانية على البحرين أسفرت عن سقوط 3 ضحايا وإصابة أكثر من 50 شخصاً، بينهم 32 مدنياً، من ضمنهم أطفال، أصيبوا في اعتداء سترة وحده، مشيراً إلى أن الاعتداءات طالت الحق في الحياة والصحة والسكن والتعليم والعمل.

وأوضح أن العدوان ألحق أضراراً بالمنازل والمنشآت الحيوية ومطار البحرين الدولي، فيما رُصدت أضرار جراء الاعتداءات الإيرانية في منشآت تجارية وصناعية ونفطية وتعليمية، مؤكداً أن المجتمع الدولي لم يتعامل بالجدية الكافية مع الاعتداءات التي تعرضت لها المملكة.

ودعا الدرازي المجتمع الدولي إلى إدانة استهداف المدنيين وتفعيل آليات التحقيق والمساءلة، مؤكداً أن حماية المدنيين لا تخضع للانتقائية السياسية، وأن التقرير رصد فجوة بين القواعد القانونية المتعلقة بحماية المدنيين ومستوى تطبيقها عملياً، في وقت لا يفرّق فيه القانون الدولي بين المدنيين وفق مواقعهم الجغرافية.

وأشار إلى أن تقرير العدوان الإيراني يحفظ الوقائع والشهادات في الذاكرة الوطنية، وأن التوثيق المبكر يحمي الأدلة من الضياع ويعزّز فرص المساءلة، مبيناً أن عملية الرصد شملت زيارات إلى المستشفيات ومراكز الإيواء والمنازل المتضررة لتوثيق أضرار الاعتداءات.

وأضاف أن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان التقت المصابين وذويهم لرصد احتياجاتهم الصحية والنفسية، ووثقت حالات استدعت الخضوع لعمليات جراحية أو دخول العناية المركزة، إلى جانب متابعة حالات احتاجت إلى علاج تخصصي خارج البحرين جراء الاعتداءات.

ولفت إلى أن توثيق الأضرار لم يقتصر على الخسائر المادية والبشرية، بل شمل الآثار النفسية والاجتماعية، فيما كشفت شهادات أسر وأطفال عن حالات الخوف والهلع الناجمة عن العدوان، مؤكداً أن الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة يتصدرون الفئات المستهدفة بالدعم.

وأكد الدرازي أن جبر الضرر أوسع من التعويض المالي وإصلاح الممتلكات، داعياً بصورة عاجلة إلى استكمال ترميم المنازل وتعويض المتضررين عن ممتلكاتهم، ومشيراً إلى توفير مساكن مؤقتة في مدينة سلمان ومراكز إيواء للأسر المتضررة من العدوان.

وتابع أن توصيات التقرير شملت تعزيز خطط الإخلاء والإيواء والإنذار المبكر لمواجهة المخاطر المستقبلية، ورفع جاهزية المنشآت والمناطق السكنية، موضحاً أن التضامن الرسمي والأهلي والخاص عزّز صمود المجتمع خلال الأزمة، من خلال تقديم مساهمات مادية وبشرية وخدمات صحية وخدمات اتصال لدعم المتضررين من الاعتداءات.

وأكد أن المؤسسة ستواصل تحديث تقرير العدوان كلما ظهرت أدلة جديدة موثوقة، وأن دورها لا ينتهي بإصدار التقرير، إذ ستستمر في متابعة أوضاع المتضررين وتنفيذ التوصيات، إلى جانب إعداد تقارير دورية مستقبلية لتقييم الآثار الإنسانية والحقوقية للاعتداءات الإيرانية. وإلى نص الحوار:

دشّنت المؤسسة مؤخراً تقريرها الحقوقي حول العدوان الإيراني على المملكة.. ما هي المرجعية القانونية والهدف الأساسي من إعداد هذا التقرير؟

- إعداد هذا التقرير يأتي في صميم الولاية القانونية للمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، وبصفة خاصة ما نصت عليه المادة (12) من قانون إنشاء المؤسسة رقم (26) لسنة 2014 وتعديلاته، والتي منحت المؤسسة صلاحية رصد حالات انتهاكات حقوق الإنسان، وإجراء التقصي اللازم بشأنها، وتوجيه انتباه الجهات المختصة إليها، إلى جانب القيام بالزيارات الميدانية وتلقي الشكاوى ومتابعتها.

أما الهدف الأساسي من إعداد التقرير، فهو تقديم توثيق حقوقي مهني وشامل للآثار المباشرة وغير المباشرة التي ترتبت على الاعتداءات الإيرانية على المواطنين والمقيمين، وتحليل الوقائع الموثقة في ضوء أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، فضلاً عن حفظ وتوثيق الأدلة والمعلومات وفق منهجية مهنية تتيح الاستفادة منها أمام الآليات الوطنية والدولية المختصة.

ما أهمية إصدار المؤسسة لهذا التقرير في هذه المرحلة؟ وما الرسالة التي أرادت إيصالها من خلاله؟

- أهمية التقرير تكمن في أنه يوثق الأحداث وآثارها الحقوقية في وقت قريب من وقوعها، ولا ينتظر مرور سنوات قد تضيع خلالها بعض الأدلة، أو تضعف الذاكرة المتعلقة بالوقائع. نحن أمام اعتداءات مست الحق في الحياة والصحة والسكن والتعليم والعمل والأمان الشخصي وغيرها من الحقوق، ومن واجب المؤسسة أن ترصد ذلك بصورة مستقلة ومهنية.

والرسالة الأساسية هي أن حماية حقوق الإنسان لا تتوقف في أوقات الأزمات والنزاعات، بل تصبح أكثر إلحاحاً. كما أن حياة المدنيين وسلامتهم ليست مسائل ثانوية في أي نزاع، وإنما تحظى بحماية قانونية دولية واضحة، وأي اعتداء عليها يجب أن يكون محل توثيق ومساءلة.

يتضمن التقرير منهجية محددة لجمع الأدلة والتوثيق، ما هي أبرز المحاور التي ركزت عليها لجان الرصد؟

- اعتمدنا منهجية حقوقية وقانونية تقوم على الدقة والموضوعية. لم يكن الهدف مجرد حصر الأحداث، وإنما تحديد طبيعة كل واقعة وزمانها ومكانها والفئات المتضررة منها، ثم رصد ما ترتب عليها من آثار بشرية ومادية ونفسية واجتماعية واقتصادية وربطها بالحق الإنساني المتأثر.

كذلك جرى تقييم الوقائع في ضوء مبادئ القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الواجبة لحماية المدنيين والأعيان المدنية، مع محاولة رصد الأنماط المتكررة والآثار التراكمية للاعتداءات، وليس التعامل مع كل واقعة بمعزل عن السياق العام.

كيف قيّمت المؤسسة التضامن المؤسسي والمجتمعي خلال هذه الأزمة؟

- ما رصدناه يعكس مستوى مرتفعاً من التكامل بين الجهات الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع. شاهدنا استجابة سريعة في قطاعات الصحة والإسكان والدفاع المدني والخدمات الأساسية والإيواء، إلى جانب مبادرات من القطاع الخاص والمتطوعين لتوفير احتياجات المتضررين.

وعلى سبيل المثال، رصدت المؤسسة مساهمات شركات ومؤسسات عبر منصة التبرعات، شملت دعماً مادياً وبشرياً وتوفير أجهزة ومستلزمات وخدمات اتصال، كما شهدت مراكز الإيواء مشاركة فرق طبية ومتطوعين في توفير الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية. وهذا النوع من التضامن يمثل عنصراً مهماً في تعزيز قدرة المجتمع على الصمود خلال الأزمات.

ما هي أبرز التوصيات الختامية التي خرج بها التقرير الحقوقي؟

- التوصيات جاءت على مستويات وطنية ودولية وقطاعية. ومن أبرزها إنشاء صندوق وطني لجبر الضرر وتعويض المتضررين، ووضع برامج وطنية متخصصة للدعم النفسي والاجتماعي والتأهيل وإعادة الإدماج، وتعزيز دور اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، وتعزيز حماية الأعيان المدنية والبنية التحتية الحيوية، والاستمرار في إعداد تقارير دورية لتقييم الآثار الإنسانية والحقوقية للاعتداءات.

وعلى المستوى الدولي، أوصى التقرير باستخدام الآليات الأممية ذات الصلة، ودراسة المسارات القانونية المناسبة للمساءلة وجبر الضرر، ومخاطبة المنظمات الدولية المتخصصة وفق طبيعة كل أثر من الآثار التي تم توثيقها.

كيف بدأت المؤسسة عملية رصد وتوثيق الانتهاكات منذ وقوع الاعتداءات الإيرانية في 28 فبراير 2026؟ وما المنهجية التي اعتمدتم عليها لضمان دقة المعلومات وموضوعيتها؟

- بدأت المؤسسة الرصد منذ بداية الأحداث، ثم عقد مجلس المفوضين اجتماعاً استثنائياً في الأول من أبريل 2026 لبحث التداعيات الحقوقية والإنسانية، وتم إنشاء لجنة مصغرة متخصصة لتوثيق الانتهاكات. وعقدت اللجنة اجتماعات مكثفة، واعتمدت منهجية موحدة، وشُكل فريقا عمل من أعضاء مجلس المفوضين وفق خبراتهم المختلفة.

أما ضمان الدقة فقام على تعدد مصادر المعلومات: البيانات الرسمية، والمخاطبات المباشرة مع الجهات المختصة، والزيارات الميدانية، ومقابلة المصابين وذويهم والمتضررين، والاطلاع على الخدمات المقدمة لهم، ثم مقارنة المعلومات وتحليلها قانونياً. وهذا الجمع بين المصدر الوثائقي والمشاهدة الميدانية والشهادة المباشرة يعزز موثوقية التوثيق.

التقرير وثّق الانتهاكات خلال الفترة من 28 فبراير وحتى 11 يونيو 2026.. لماذا تم اختيار هذه الفترة الزمنية؟ وهل يعني ذلك أن عمليات الرصد والتوثيق انتهت بانتهاء الفترة التي يغطيها التقرير؟

- 28 فبراير يمثل بداية الفترة التي تناولها التقرير باعتبارها بداية الاعتداءات الآثمة التي شرعت المؤسسة في رصد آثارها، بينما يمثل 11 يونيو آخر واقعة شملتها النسخة محل التقرير. وبالتالي فإن هذا النطاق الزمني يحدد فترة التغطية الخاصة بهذه النسخة ولا ينبغي فهمه على أنه نهاية لمسؤولية المؤسسة في الرصد.

بل إن التقرير نفسه يؤكد أهمية مواصلة أعمال الرصد والتوثيق، ويوصي بإعداد تقارير وطنية دورية تتضمن تقييماً مستمراً للأوضاع الميدانية والاحتياجات الإنسانية. وعليه، فإن ظهور معلومات أو وقائع جديدة قابلة للتحقق يظل بطبيعته محل متابعة المؤسسة في إطار ولايتها.

التقرير تناول 11 محوراً من محاور الانتهاكات.. ما أبرز هذه المحاور؟ وأيها كان الأكثر تأثيراً على حياة المواطنين والمقيمين؟

- تناول التقرير أحد عشر محوراً حقوقياً رئيسياً، هي: الحق في الحياة، والتعليم، والحرية والأمان الشخصي، والصحة، والعمل، والتنقل والسفر، وحقوق الفئات الأولى بالرعاية، والحق في مستوى معيشي لائق بما يشمل الغذاء والماء والسكن، والحق في بيئة سليمة، والحقوق الرقمية، والحقوق الثقافية وحماية الممتلكات الثقافية.

ومن الصعب فصل هذه الحقوق عن بعضها لأن الاعتداء الواحد قد يمسّ عدة حقوق في الوقت نفسه. لكن من حيث الأثر المباشر على الإنسان، كان المساس بالحق في الحياة والسلامة الجسدية والأمان الشخصي والصحة والسكن من أكثر الآثار خطورة، خصوصاً مع وقوع وفيات وإصابات وأضرار في منازل ومناطق سكنية واضطرار بعض الأسر إلى الإخلاء أو الانتقال إلى سكن مؤقت.

أشرتم إلى سقوط 3 ضحايا وأكثر من 50 مصاباً.. كيف تعاملت المؤسسة مع توثيق الحالات الإنسانية والصحية الناجمة عن الاعتداءات؟

- تعاملنا مع هذه الحالات باعتبارها حالات إنسانية قبل أن تكون أرقاماً في تقرير. لذلك لم نكتفِ بالبيانات المتعلقة بأعداد الوفيات والإصابات، وإنما قمنا بزيارات ميدانية إلى مجمع السلمانية الطبي، والتقينا بالمصابين وذويهم، واطلعنا على طبيعة الإصابات والعلاج المقدم لهم واحتياجاتهم الطبية والنفسية والاجتماعية.

فعلى سبيل المثال، وثقت المؤسسة إصابة 32 مدنياً في حادث سترة وحده، بينهم أطفال، وبعض الحالات استدعت عمليات جراحية أو عناية مركزة، كما تابعت المؤسسة الحالات التي استدعت العلاج التخصصي خارج البحرين. وهذا التوثيق المباشر أتاح لنا تكوين صورة أكثر دقة عن الأثر الإنساني الحقيقي للاعتداءات.

إلى أي مدى طالت الاعتداءات الإيرانية الأعيان المدنية والمناطق السكنية والمنشآت الحيوية؟ وما أبرز الأضرار التي رصدها التقرير؟

- ما وثّقه التقرير يبيّن أن آثار الاعتداءات امتدت إلى نطاق واسع من الأعيان المدنية، وشملت مباني ومناطق سكنية، ومنشآت تجارية وصناعية ونفطية، ومرافق تعليمية، ومطار البحرين الدولي، ومنشآت مرتبطة بالمياه والخدمات والبنية التحتية الرقمية.

وفي المناطق السكنية رصدنا تحطم النوافذ والأبواب، وتناثر الشظايا، وتضرر الأثاث والمركبات ومرافق المنازل، إضافة إلى الإصابات البشرية. كما رصدنا أضراراً في منشآت صناعية ونفطية وما صاحب بعضها من حرائق أو مخاطر بيئية، الأمر الذي يوضح أن تأثير الاعتداءات لم يكن محصوراً في موقع واحد أو قطاع واحد.

رصدتم حالات اضطر فيها المواطنون إلى إخلاء منازلهم أو مناطقهم بسبب الاعتداءات.. كيف انعكس ذلك على الحق في السكن والحياة الآمنة؟

- الحق في السكن لا يعني وجود سقف فوق الإنسان فحسب، وإنما أن يكون هذا السكن آمناً ومستقراً ويحفظ كرامته وخصوصيته وحياته الأسرية. وعندما تضطر أسرة إلى مغادرة منزلها بصورة عاجلة بسبب الخطر أو الأضرار، فنحن أمام تأثير مباشر على هذا الحق وعلى الشعور بالأمان والاستقرار.

وقد وثقت المؤسسة توفير مساكن مؤقتة لعدد من الأسر، سواء في مدينة سلمان أو من خلال مراكز الإيواء، كما رصدت أعمال إصلاح وترميم المنازل. وفي الوقت نفسه، سجلت المؤسسة بعض الملاحظات المتعلقة باستكمال أعمال الإصلاح والتعويض عن الممتلكات، وهو ما يؤكد أهمية استمرار المتابعة.

التقرير لم يقتصر على الخسائر المادية، بل تناول الآثار النفسية والإنسانية.. كيف يمكن قياس وتوثيق هذه الآثار حقوقياً؟

- الضرر النفسي جزء أصيل من الضرر الإنساني ولا يقل أهمية عن الضرر المادي. ويمكن توثيقه من خلال المقابلات المباشرة، والشهادات، والتقييمات الصحية والنفسية المتخصصة، ورصد حالات الخوف والهلع والقلق واضطراب الشعور بالأمان، ومدى استمرار هذه الأعراض وتأثيرها على الحياة اليومية.

وقد استمعت المؤسسة أثناء زياراتها إلى شهادات أُسر وأطفال تعرّضوا لحالات خوف وهلع، ورصدت كذلك توفير الدعم النفسي داخل مراكز الإيواء. ولذلك أوصى التقرير بتطوير برامج وطنية متخصصة للرعاية النفسية والاجتماعية وإعادة التأهيل، ولا سيما للفئات الأكثر هشاشة.

من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، كيف تصنّف المؤسسة الاعتداءات التي استهدفت المدنيين والأعيان المدنية؟

- القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني يقرّران حماية واضحة للمدنيين والأعيان المدنية، ويؤكدان ضرورة احترام مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ جميع الاحتياطات الممكنة لتجنب إلحاق الضرر بالسكان المدنيين والمرافق المدنية.

ومن هذا المنطلق، فإن الاعتداءات التي تستهدف المدنيين أو الأعيان المدنية، أو التي تُنفذ بصورة عشوائية بما يعرّض حياة المدنيين وسلامتهم وممتلكاتهم للخطر، تُعد انتهاكات جسيمة للقواعد والمبادئ الأساسية الحاكمة لحماية المدنيين أثناء النزاعات. وما وثّقته المؤسسة من أضرار طالت الأرواح والمساكن والمرافق والمنشآت المدنية يؤكد أهمية ضمان المساءلة، وجبر الضرر، وتعزيز التدابير الكفيلة بحماية المدنيين ومنع تكرار مثل هذه الانتهاكات.

ما أبرز الحقوق والحريات الأساسية التي خلص التقرير إلى تأثرها نتيجة هذه الاعتداءات؟

- التأثير كان واسعاً ومتشابكاً. وقد شمل الحق في الحياة والسلامة الجسدية، والحرية والأمان الشخصي، والصحة، والتعليم، والعمل، والتنقل والسفر، والسكن ومستوى المعيشة اللائق، والبيئة السليمة، والحقوق الرقمية والثقافية، إلى جانب التأثير بصورة خاصة على الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة.

وهنا يجب التأكيد أن حقوق الإنسان مترابطة، فالاعتداء على منزل، مثلاً، قد يمسّ في الوقت ذاته الحق في السكن والأمان والصحة النفسية والحياة الأسرية وربما التعليم والعمل.

هل يمكن أن يشكّل التقرير الذي أعدته المؤسسة أساساً لملفات قانونية أو حقوقية يمكن تقديمها مستقبلاً أمام الهيئات والمنظمات الدولية؟

- هذا التقرير تقرير حقوقي بامتياز، يوثق الانتهاكات والآثار التي طالت حقوق الإنسان نتيجة الاعتداءات، استنادًا إلى منهجية مهنية في جمع المعلومات والتحقق منها وحفظ الأدلة.

ومن ثم، فإنه يشكّل مرجعاً حقوقياً ووثائقياً يمكن الاستناد إليه مستقبلاً أمام الهيئات والآليات الوطنية والدولية المختصة، والبناء على ما تضمنه من وقائع وأدلة موثقة وفق الإجراءات والأطر القانونية المعمول بها.

ما الجهات الدولية التي تعتزم المؤسسة مخاطبتها أو إحاطتها بنتائج التقرير؟ وهل هناك مسار للتواصل مع الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية من أجل حصول البحرين على تعويضات؟

- التقرير وضع تصوراً واضحاً للمسارات الدولية الممكنة، وأوصى باستخدام آليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان، بما فيها الإجراءات الخاصة التابعة لمجلس حقوق الإنسان والمقرّرون الخواص ذوو الصلة بالحق في الحياة والصحة والسكن والنازحين داخلياً، إضافة إلى الاستفادة من الآليات الأممية الأخرى ذات الصلة. كما أوصى بمخاطبة وكالات دولية متخصصة مثل منظمة الصحة العالمية وغيرها بحسب طبيعة الآثار الموثقة.

أما مسألة المطالبة بالتعويضات أو اتخاذ إجراءات قضائية دولية فهي في جانبها القانوني والدبلوماسي من اختصاص الجهات الرسمية المختصة في الدولة. وقد أوصى التقرير بدراسة إمكانية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية واتخاذ المسارات القانونية المناسبة للمطالبة بالتعويض وجبر الأضرار. ودور المؤسسة يتمثل في توفير الرصيد الحقوقي والتوثيقي المستقل الذي يمكن أن يدعم مثل هذه المسارات.

في ظل ما ذكرتموه من أن المجتمع الدولي لم يتعامل بالجدية الكافية مع الاعتداءات الإيرانية، ما الذي تتوقعونه تحديداً من المجتمع الدولي؟

- نتوقع موقفاً يستند إلى القانون وليس إلى الانتقائية. حماية المدنيين والأعيان المدنية يجب أن تكون مبدأً ثابتاً أينما وقعت الانتهاكات وأياً كانت الدولة أو المنطقة المتضررة.

المطلوب هو إدانة واضحة للاعتداءات على المدنيين، وتفعيل آليات التحقيق والمساءلة، ودعم حق المتضررين في الإنصاف وجبر الضرر، وتعزيز حماية الملاحة والمرافق المدنية والبنية التحتية الحيوية، وعدم السماح بأن تتحول الانتهاكات إلى وقائع عادية تمر دون محاسبة. وهذا ما أكد عليه التقرير عندما دعا إلى تعزيز منظومة المساءلة الدولية.

هل تعتقدون أن التعامل الدولي مع الاعتداءات على البحرين يعكس وجود فجوة في آليات حماية المدنيين عندما تقع الاعتداءات في منطقة الخليج العربي؟

- ما نستطيع قوله حقوقياً هو أن أية فجوة بين القواعد القانونية وبين مستوى تطبيقها العملي تثير القلق، بغضّ النظر عن المنطقة الجغرافية. القانون الدولي لا يفرّق بين مدني وآخر بسبب موقعه الجغرافي، ولذلك يجب ألا تختلف درجة الاهتمام أو المساءلة باختلاف مكان وقوع الاعتداء.

ومن هنا، فإن هذه الأحداث ينبغي أن تدفع المجتمع الدولي إلى مراجعة مدى فاعلية آلياته في حماية المدنيين وضمان الاستجابة السريعة والمتساوية للانتهاكات في جميع المناطق، بما فيها منطقة الخليج العربي.

التقرير دعا إلى عدد من الإجراءات والتوصيات.. ما أهم التوصيات التي ترون ضرورة تنفيذها بصورة عاجلة؟

- الأولوية في تقديرنا هي للإنسان المتضرر. وبالتالي فإن أكثر الإجراءات إلحاحاً هي استكمال حصر الأضرار وجبرها، وضمان حصول المصابين والمتضررين على الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية المطلوبة، واستكمال إصلاح المساكن والممتلكات المتضررة.

وبالتوازي مع ذلك، من المهم تعزيز خطط الإخلاء والإيواء والإنذار المبكر والحماية المدنية، ورفع جاهزية المنشآت والمناطق السكنية، وتعزيز آليات حفظ الأدلة والتوثيق، حتى تكون الاستجابة لأي مخاطر مستقبلية أكثر سرعة وكفاءة.

من بين التوصيات المطروحة إنشاء صندوق وطني لجبر الضرر وتعويض المتضررين.. ما أهمية هذه الخطوة من منظور حقوق الإنسان؟

- جبر الضرر يمثّل أحد المبادئ الأساسية للإنصاف. والمتضرر لا ينبغي أن يتحمّل وحده الأعباء المالية والاجتماعية الناتجة عن فعل غير مشروع لم يكن له دور فيه.

والصندوق المقترح يوفر إطاراً مؤسسياً منظماً وسريعاً للتعامل مع المطالبات والأضرار، بدلاً من ترك كل حالة تبحث بصورة منفردة عن مسار للتعويض. وقد اقترح التقرير أن يتم تمويله بصورة مؤقتة من الموازنة العامة أو برامج الدعم الوطنية، إلى حين استرداد المبالغ عبر مسارات التعويض الدولية أو وفق ما تسمح به قواعد المسؤولية الدولية.

كيف يمكن ضمان عدم اقتصار جبر الضرر على التعويض المالي، وإنما يشمل أيضاً الدعم النفسي والاجتماعي وإعادة تأهيل المتضررين؟

- هذا تحديداً ما أكد عليه التقرير. جبر الضرر في المفهوم الحقوقي أوسع بكثير من دفع مبلغ مالي، فقد يكون المنزل قابلاً للإصلاح، لكن أثر الخوف على طفل أو أسرة قد يستمر فترة أطول.

ولهذا أوصينا ببرامج وطنية للدعم النفسي والاجتماعي، وإنشاء وحدات وآليات متخصصة لرعاية المتضررين، مع التركيز على الأطفال والنساء وكبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأكثر هشاشة، إضافة إلى برامج التأهيل النفسي وإعادة الإدماج المجتمعي.

ما الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في المرحلة المقبلة لمتابعة تنفيذ التوصيات الواردة في التقرير؟

- دور المؤسسة لا ينتهي بإصدار التقرير. نحن نملك، بموجب ولايتنا القانونية، أدوات المتابعة والرصد والتواصل مع الجهات المختصة وإبداء الملاحظات والتوصيات، إلى جانب إجراء الزيارات الميدانية والاستماع إلى المتضررين.

وسنظل معنيين بمتابعة أوضاع المتضررين ومدى معالجة الملاحظات التي تمّ رصدها، وكذلك بمتابعة ما يتخذ بشأن التوصيات ذات الصلة بحماية حقوق الإنسان وجبر الضرر وتعزيز الاستعداد للأزمات، مع المحافظة على استقلال المؤسسة وموضوعيتها.

هل ستواصل المؤسسة تحديث التقرير وإضافة حالات أو انتهاكات جديدة إذا ظهرت معلومات أو أدلة إضافية؟

- نحن بالطبع نتمنى انتهاء هذه الأزمة في أسرع وقت ممكن، إلا أن الرصد والتوثيق من صميم اختصاص المؤسسة، وهو عمل مستمر. وقد أوصى التقرير بإعداد تقارير دورية تتضمن تقييماً مستمراً للأوضاع والآثار الإنسانية.

وعليه، فإن أي معلومات أو أدلة إضافية ذات صلة، بعد التحقق من صحتها وموثوقيتها، ستكون محل دراسة ورصد من المؤسسة، ويمكن أن تنعكس في تقارير أو تحديثات حقوقية لاحقة بحسب تطورات الأوضاع.

إلى أي مدى ساهم تعاون الجهات الحكومية والأهلية والأفراد في إنجاح عملية التوثيق؟ وهل واجهتم أي صعوبات في الوصول إلى المعلومات أو الضحايا؟

- التعاون كان عنصراً أساسياً في إنجاز التقرير، فقد حصلت المؤسسة على بيانات ومعلومات من جهات رسمية متعددة، وأجرت زيارات ميدانية إلى المستشفيات ومراكز الإيواء والمنازل المتضررة، والتقت بمصابين وذويهم ومتضررين بصورة مباشرة.

وهذه اللقاءات المباشرة مهمة للغاية لأنها تسمح بمقارنة البيانات الرسمية بالتجربة الفعلية للمتضرر. أما في شأن الصعوبات، فمن الطبيعي في ظرف أمني استثنائي أن توجد اعتبارات تتعلق بالسلامة وسرعة تغير الأحداث وتوقيت الوصول إلى بعض المواقع أو المعلومات، إلا أن المؤسسة عملت على تنويع مصادرها وعدم الاعتماد على مصدر منفرد للوصول إلى صورة أكثر دقة.

ما الضمانات التي وضعتها المؤسسة للحفاظ على المهنية والاستقلالية في عملية جمع المعلومات والتحقق منها؟

- أهم ضمان هو المنهجية نفسها. فقد التزمنا بالدقة والحياد والموضوعية، وتعدد المصادر، والتمييز بين الوقائع المثبتة والتقييم القانوني لها، وتوثيق الزمان والمكان والفئة المتضررة ونوع الضرر.

كما اعتمدت اللجنة منهجية موحدة، وجرى توزيع العمل بين فريقين متخصصين من أعضاء مجلس المفوضين، مع مراجعة النتائج في اجتماعات دورية قبل اعتماد النسخة النهائية. وهذا العمل المؤسسي الجماعي يقلل بدرجة كبيرة من الاعتماد على التقديرات الفردية.

هل يمكن اعتبار التقرير بمثابة توثيق للذاكرة الوطنية لما تعرضت له البحرين خلال هذه المرحلة؟

- بالتأكيد، وهذه إحدى القيم المهمة لمثل هذه التقارير. التقرير ليس فقط وثيقة للحاضر، وإنما سجل يحفظ الوقائع والشهادات والآثار الإنسانية للأجيال المقبلة.

عندما نوثق أسماء المناطق وتواريخ الأحداث وطبيعة الأضرار وشهادات المصابين والمتضررين والإجراءات التي اتخذتها الجهات المختلفة، فإننا نحفظ جزءاً من ذاكرة الوطن بصورة مؤسسية ومهنية، بعيداً عن الروايات غير الموثقة أو المعلومات التي قد تضيع بمرور الوقت.

برأيكم، ما أهمية توثيق الانتهاكات في وقت وقوعها، بدلاً من الانتظار لسنوات قبل جمع الأدلة والشهادات؟

- كلما اقترب التوثيق من زمن الواقعة ازدادت قدرته على الوصول إلى معلومات أكثر دقة. الأدلة المادية قد تتغير، والمواقع قد يتم إصلاحها، والذاكرة البشرية بطبيعتها تتأثر بمرور الزمن.

لذلك فإن التوثيق المبكر يتيح تصوير الأضرار كما هي، والاستماع إلى الشهادات وهي لاتزال حديثة، والحصول على البيانات الطبية والرسمية في توقيتها، وبناء سلسلة معلومات أكثر وضوحاً يمكن الاستفادة منها لاحقاً في المساءلة وجبر الضرر ومنع التكرار.

ما الرسالة التي توجهونها إلى المواطنين والمقيمين الذين تضرروا بشكل مباشر أو غير مباشر من الاعتداءات الإيرانية؟

- رسالتنا لهم أن حقوقهم واحتياجاتهم الإنسانية تظل في صميم اهتمام المؤسسة، وأن ما تعرّضوا له من أضرار مادية أو صحية أو نفسية أو اجتماعية يجب أن يحظى بالتوثيق والمتابعة والإنصاف.

ونحن نقدّر في الوقت ذاته تعاون المواطنين والمقيمين الذين التقت بهم المؤسسة وما قدّموه من معلومات وشهادات أسهمت في إظهار الأبعاد الإنسانية الحقيقية للأحداث. وستظل أبواب المؤسسة وآلياتها متاحة في إطار اختصاصاتها لكل من لديه شكوى أو معلومة تتعلق بحقوقه.

ما الرسالة التي توجهها المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان إلى المجتمع الدولي بشأن مسؤولية حماية المدنيين واحترام القانون الدولي؟

- رسالتنا واضحة، حماية المدنيين ليست مسألة سياسية قابلة للانتقاء، وإنما التزام قانوني وإنساني يجب أن يطبّق على الجميع دون استثناء.

إن احترام قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ولاسيما حماية المدنيين والأعيان المدنية والتمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة، يجب أن يبقى أساساً لأي تعامل دولي مع النزاعات. كما أن حماية هذه القواعد تتطلب وجود مساءلة فعّالة وإنصاف للضحايا وجبر للضرر، لأن غياب المساءلة يشجع على تكرار الانتهاكات.

ومن هنا ندعو المجتمع الدولي وآلياته المختصة إلى التعامل بجدية وموضوعية مع الانتهاكات التي تعرضت لها مملكة البحرين، ودعم كل مسار قانوني وحقوقي يهدف إلى حماية المدنيين، وتوثيق الانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها، وضمان حق المتضررين في الإنصاف وجبر الضرر.