في حوار مع إحدى الزميلات، وهي أم لثلاثة أطفال لم يتجاوز أكبرهم الرابعة عشر من عمره، اشتكت من تعلق أبنائها بمنصات التواصل الاجتماعي، حيث يقضون جل يومهم في متابعة ما يبث على تلك المنصات، لدرجة أنهم فقدوا التواصل فيما بينهم، إلا فيما يخص آخر التريندات وأخبار المشاهير..

تذكرت هذا الحوار، وأنا أتابع أخبار عزم عديد من الدول حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال والمراهقين، والذي بدأته أستراليا في العاشر من ديسمبر، حيث لم يعد بإمكان الأطفال هناك دون 16 عاماً إنشاء حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي أو الاحتفاظ بها على المنصات، أما الهدف فهو حمايتهم من المخاطر المرتبطة باستخدامها، كالإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية والتعرض للتنمر الإلكتروني، والتعرض لمحتوى قد يؤثر سلباً على الصحة النفسية والجسدية.

منذ سنوات، ونحن نسلم أطفالنا للأجهزة الذكية، كما لو أننا نضع بين أيديهم لعبة بريئة، لم ننتبه إلا متأخرين أن «الشيطان» قد يكون أحياناً تطبيقاً ملوناً، أو فيديو قصيراً، أو حساباً يبدو لطيفاً في ظاهره، لكنه ينهش وعي الطفل بهدوء ودون ضجيج.

بعد التجربة الأسترالية، أعلنت ماليزيا عزمها فرض قواعد أكثر صرامة على استخدام الأطفال والمراهقين دون 16 عاماً لمنصات التواصل الاجتماعي، والهدف هو تحسين حماية الأطفال من مخاطر الإنترنت، عبر حلول عملية يصعب التحايل عليها، حيث بدأت السلطات هناك فعلياً اختبار أدوات للتحقق من العمر، وتقييد وصول القاصرين إلى المنصات، في محاولة جادة لوضع حد لهذا الانفلات الرقمي.

هذه القرارات، مهما بدت صارمة، لم تأتِ من فراغ، حيث جاءت بعد أن رأت الحكومات جيلاً ينسحب تدريجياً من أنشطته الطبيعية؛ طفل منحني على شاشة، ومراهق غاضب إذا طلب منه أن يرفع رأسه عن هاتفه.

لكن، السؤال الأهم هو عن دور الأهل، فلا يمكن تحميل الحكومات وحدها مسؤولية حماية الأطفال، بينما يمارس أولياء الأمور الهروب التربوي، بعضهم عن كسل أو ضغط أو تعب، فيعتقدون أن إلهاء الطفل بالجهاز الذكي «يريح الرأس» ويخفف الصداع اليومي، فلا يدركون أن هذا «الهدوء» المؤقت، قد يكون ثمناً باهظاً من صحة الطفل النفسية، ومن قدرته على التواصل، ومن توازنه العاطفي.

من هنا، يصبح من الضروري أن نبدأ بالتفكير بخطوات جريئة، لا تقل شجاعة عما فعلته أستراليا وماليزيا، أو على الأقل فتح نقاش جاد، بمشاركة السلطة التشريعية والمختصين التربويين والخبراء، حول تنظيم استخدام الأطفال والمراهقين لمنصات التواصل، ووضع أطر قانونية تحميهم، وتدعم دور الأسرة، ولا تترك الطفل وحيداً في مواجهة عالم رقمي مفترس.