يشكّل التحول الرقمي ورقمنة القضاء ركيزة أساسية لتحقيق العدالة العابرة للحدود في عصر الرقمنة، إذ لم يعد من الممكن الحديث عن منظومة عدلية فاعلة دون تشريعات متطورة تواكب الحياة الإلكترونية، خاصة في ظل تنامي الجرائم التي تستغل الفضاء الرقمي لتحقيق مآربها الإجرامية، والتي باتت تتصدر المشهد اليومي بأشكال متعددة.
وإلى جانب تحديث التشريعات، تبرز الحاجة الملحّة إلى إنشاء بنية تحتية رقمية متكاملة وبيئة تقنية متطورة لمنظومة القضاء والمحاكم، تواكب التحولات المتسارعة في أسلوب الحياة، ودخول التكنولوجيا والعصر الرقمي في أدق تفاصيل تعاملاتنا اليومية.
وفي هذا السياق، أعلن وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف نواف المعاودة عن تدشين نظام التقاضي عن بُعد في المحاكم الكبرى التجارية والمستعجلة، وهي المحاكم المعنية بالدعاوى التي يكون أحد أطرافها شركات تجارية محلية أو أجنبية، إضافة إلى قضايا حل وتصفية الشركات، وإعادة التنظيم والإفلاس وغيرها من القضايا ذات الطابع الاقتصادي والتجاري.
ومن شأن هذا القرار أن يُسهم بشكل إيجابي في تحريك عجلة القضايا التجارية وتسريع الفصل فيها، لا سيما تلك التي يكون أحد أطرافها أجنبياً، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على بيئة الاستثمار في مملكة البحرين، ويعزز من جاذبيتها كمركز إقليمي للأعمال والاستثمار.
وتأتي هذه الخطوة امتداداً لسلسلة من الإجراءات التي اتخذتها وزارة العدل خلال السنوات الماضية في إطار التحول الرقمي لمرافق القضاء، بدءاً من اعتماد الملفات الإلكترونية، وتقديم الدعاوى والمرافعات عبر المنصات الرقمية، وصولاً إلى استخدام التقنيات الحديثة في بعض الجلسات الحساسة المرتبطة بقضايا الأسرة والطفولة، حيث أُتيح الاستماع إلى الشهود عن بُعد وفق إجراءات دقيقة تحفظ الخصوصية، وتراعي الاعتبارات القانونية والإنسانية.
وخلال فترة جائحة كورونا، لم تتوقف عجلة القضاء، بل استمر العمل بكفاءة بفضل هذه الحلول الرقمية، ما أثبت جاهزية المنظومة العدلية للتعامل مع الأزمات والمتغيرات الطارئة.
ولم يقتصر هذا التطور على المحاكم فقط، بل شمل أيضاً النيابة العامة التي واكبت هذه المتغيرات، لا سيما في نيابة الأسرة.
واليوم، نرى الصورة أكثر اكتمالاً مع اعتماد التقاضي عن بُعد في المحاكم التجارية والمستعجلة، في خطوة نوعية تعكس نضج التجربة الرقمية القضائية.
وفي المرحلة المقبلة، تبرز أهمية تعميم هذه التجربة على باقي المحاكم، بعد تقييمها وتطويرها وسد أي ثغرات محتملة، لضمان بناء تجربة رقمية متكاملة وناجحة.
فالتقاضي عن بُعد يحد من تأجيل الجلسات بسبب تعذر حضور الشهود أو الأطراف، ويوفر الوقت والجهد، ويكسر قيود المكان والظروف، بما يسهم في تحقيق العدالة الناجزة، ويعزز ثقة المتقاضين في كفاءة ومرونة النظام القضائي.