حين نسترجع ذكريات الطفولة، لا نتذكر التفاصيل بقدر ما نتذكر الشعور؛ صوت ضحكة، رائحة بيت قديم، طريقاً كنا نركض فيه، وبكل تأكيد قلوباً كانت تصدق أن الغد دائماً أفضل.

ذكريات الطفولة دائماً ما تعيدني إلى المنامة، بكل تفاصيلها الجميلة والبسيطة، حيث لم تكن مجرد مدينة للتسوق بقدر ما كانت مدينة تمثل التاريخ والعراقة. أتذكر انبهاري بكل تفاصيلها؛ أسواقها، شوارعها، متاجرها، وحتى رائحة التوابل المنبعثة من كل أركانها، وبالتأكيد لا يمكن نسيان واجهات محلات الذهب التي تعرض الإبداع البحريني في أجمل صوره.

أسترجع كل تلك الذكريات بتفاصيلها وأشخاصها، من خلال فعاليات «هوى المنامة»، والتي نجحت في أن تمزج بين الثقافة والتراث والسياحة والتجارة، فعالية تجاوزت حدود مكانها الجغرافي لتستحضر البحرين بكل مدنها وقراها، حيث كان سوق المنامة أكثر من كونه مكانًا للتجارة.

«هوى المنامة» تمثل محاولة واعية لإعادة الروح إلى قلب المدينة، ولتذكيرنا بأن السياحة لا تبنى فقط بالفنادق والمراكز الحديثة، بل بالذاكرة والقصص والأماكن التي صنعت هوية الناس قبل أن تصنع واجهات المدن، فالإقبال اللافت الذي تشهده الفعالية، وتضاعف أعداد الزوار مقارنة بنسختها الأولى، مؤشر واضح على تلهف تعطش الناس لتجربة صادقة، تجربة تشبههم وتشبه المكان.

الأثر الاقتصادي للفعالية يبدو واضحاً في حركة السوق ونبض محلاته، حيث عودة الزحام إلى الأزقة القديمة، وانتعاش المحلات الشعبية، وحضور المشاريع الصغيرة والمتوسطة، كلها مشاهد تقول إن الاستثمار في التراث فرصة اقتصادية حقيقية، حيث نجح «هوى المنامة» في إعادة ربط الزائر بالمكان وربط المكان بالإنفاق، دون أن تفقد السوق روحها أو تتحول إلى نسخة مصطنعة للسياحة.

لكن أكثر ما يميز هذه التجربة في اعتقادي هو بعدها الثقافي، حيث لا تكتفي بعرض التراث بل ترويه، تحكي عن المنامة في مرحلة تاريخية مفصلية، عن تحولاتها الاجتماعية، عن السوق بوصفه مساحة حياة، لا مجرد نقطة بيع، ومن الألعاب القديمة، إلى الطعام التقليدي، إلى معارض الصور والأنشطة التفاعلية، يشعر الزائر أنه لا ينظر إلى الماضي بل يسير داخله.

«هوى المنامة» نجح في تذكيرنا بأن المدن العريقة لا تحتاج إلى تجميل مفرط كي يحبها الناس، بل إلى من يستطيع الاستماع لها، فالمنامة، بتاريخها وأسواقها وناسها، لاتزال قادرة على أن تكون وجهة سياحية واقتصادية نابضة، إذا ما حافظت على ما تتفرد به عن باقي مدن البحرين والخليج العربي.

في زمن تتشابه فيه المدن، تؤكد هذه الفعالية أن التميز الحقيقي يبدأ من الجذور، وأن الاستثمار الأذكى هو ما يحفظ الذاكرة ويمنحها فرصة جديدة لتعيش وتنعش الحاضر.