بعد مفاجأة أحداث فنزويلاً السبت الماضي، والتي تُعدّ خطوة تمثّل ما يُعرف بعقيدة «الصدمة والرعب» (Shock and Awe) وتُعتبر استعراضاً كبيراً للقوة الأمريكية، تركّزت التكهّنات حول المستقبل السياسي والاقتصادي لفنزويلا.
سياسياً، سارعت الولايات المتحدة إلى الاعتراف بنائبة الرئيس الفنزويلي المخلوع، دِلسي رودريغيز، كبديل عنه، وطُلب منها الخضوع الكامل للرغبات الأمريكية، وإلا واجهت مصيراً مشابهاً لسلفها.
أما اقتصادياً، فقد أكد الرئيس ترامب فتح القطاع النفطي الفنزويلي أمام الشركات الأمريكية للاستثمار، كما أعلن أن ما بين 30 إلى 50 مليون برميل نفط كانت قابعة في فنزويلا ولم تُصدَّر بسبب العقوبات الأمريكية، سيتمّ تحويلها إلى الولايات المتحدة وبيعها بسعر السوق، بحيث يتمّ -بحسب التعبير الأمريكي- الاستفادة منها من قِبل «الشعبين الفنزويلي والأمريكي».
في السابق، كانت فنزويلا تتحايل على العقوبات الأمريكية عبر نقل النفط في سفن مموّهة وبيعه لدول آسيوية بسعر السوق السوداء، الذي يكون عادة أقل بكثير من السعر الرسمي. لكن حتى هذه المحاولات لم تكن تعود عليها بعائد مالي حقيقي؛ فالصين، على سبيل المثال، كانت تستلم النفط مقابل خصم جزء من ديون فنزويلا، أي دون تدفقات نقدية فعلية.
وفي ظلّ تضخم قد يصل إلى 700%، فإن فنزويلا -في حال لم يتم تعويضها مالياً بعد تصدير نفطها- قد تواجه نقصاً حاداً في المواد الغذائية كما حدث سابقاً، خاصة أنها بلد يعتمد بشكل كبير على الاستيراد بعد القضاء شبه الكامل على القطاع الزراعي في الثمانينات.
بعض المحللين الفنزويليين يُبدون قدراً من التفاؤل، ومن بينهم أليخاندرو جيستاني، صاحب شركة استشارية في كاراكاس، الذي صرّح لصحيفة وول ستريت جورنال بأن ما حدث قد يشكّل بارقة أمل، إذ إن حدوث توافق بين الولايات المتحدة والرئاسة الفنزويلية الحالية قد يعني تحوّل الاقتصاد من حالة الانكماش إلى مسار إيجابي.
من جانبه، تحدث وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن خطة مكونة من ثلاث مراحل تجاه فنزويلا: الأولى، ضمان حصول البلاد على العملة الصعبة لاستيراد الغذاء والدواء، وهو ما يحتاجه بشكل عاجل نحو 28 مليون فنزويلي.
الثانية، فتح المجال أمام الشركات الأجنبية للوصول إلى احتياطيات النفط الفنزويلية، بعد أن كانت حكراً على الحكومة التي فشلت في تطوير الصناعة النفطية، ما أدى إلى تراجع الإنتاج إلى مستويات متواضعة تقارب مليون برميل يومياً، مقارنة بالقدرات المتاحة التي تتجاوز ثلاثة ملايين برميل يومياً.
أما المرحلة الثالثة، فتتمثل في إعادة الحقوق السياسية والإفراج عن المعتقلين السياسيين.
تقرير لقناة CNBC أشار إلى أن الصناعة النفطية الفنزويلية تحتاج إلى استثمارات تقارب عشرة مليارات دولار لإضافة نحو 500 ألف برميل يومياً، إضافة إلى عشرات المليارات الأخرى لإعادة تأهيل البنية التحتية والوصول إلى مستويات الإنتاج التي كانت قائمة عام 1998، حين بلغ الإنتاج 3.6 مليون برميل يومياً.
غير أن هذه الأرقام تُثير مخاوف شركات النفط الأمريكية الكبرى مثل Exxon وConocoPhillips، ليس فقط بسبب عدم استقرار الوضع السياسي في فنزويلا، بل أيضاً بسبب عدم وضوح هوية الرئيس الأمريكي القادم بعد ثلاث سنوات، واحتمال تبنّيه نهجاً مشابهاً للرئيس السابق بايدن الذي كان يُعارض التوسّع في الوقود الأحفوري، ما قد يعرّض استثمارات هذه الشركات لخطر الضياع.
لاشك في أن التدخل الأمريكي، في ظاهره، يبدو استعراضاً مفرطاً للقوة، لكن الواقع يفرض قراءة مختلفة. ففنزويلا، التي يقترب حجمها الجغرافي من مصر، تمتلك ثروات طبيعية هائلة، ومع ذلك يعيش ما يقارب 80% من سكانها تحت خط الفقر، في مفارقة موجعة بين الإمكانيات الهائلة والحال السيئ للناس.
لذلك قد يكون هذا التدخل، مهما كانت دوافعه ومآلاته السياسية، بوابة لانتعاش اقتصادي طال انتظاره، إذا ما أُحسن استثمار الموارد، وأُعيد دمج البلاد في الاقتصاد العالمي بصورة متوازنة وعادلة.