على امتداد عقود، اعتمد النظام الإيراني على أسلوب الحرب غير المباشرة، من خلال بناء شبكات نفوذ في عدد من الدول العربية، وتشكيل جماعات مسلحة تدين له بالولاء وتعمل كأذرع لتنفيذ سياساته.

كان هذا النهج يقوم على زعزعة الاستقرار من الداخل، عبر زرع العملاء وتجنيد الخلايا وإشعال الصراعات الطائفية والسياسية في أكثر من بلد عربي. لكن ما نشهده اليوم أن هذا النظام بات يظهر وجهه الحقيقي بصورة أكثر صراحة، بما يعكس حجم العداء المتجذر في سياسته تجاه المنطقة.

هذا النظام، منذ قيامه، لم يكن يوماً مصدر ثقة لجيرانه أو لشعوب المنطقة. فتصريحاته السياسية كثيراً ما جاءت متناقضة مع أفعاله على الأرض، وخطابه الذي يتحدث عن دعم الاستقرار كان يقابله واقع مختلف تماماً يقوم على التدخل في شؤون الدول الأخرى وتقويض استقرارها. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يتشكل إجماع واسع في كثير من الأوساط الدولية على أن سياسات هذا النظام تمثل أحد أبرز مصادر التوتر في الشرق الأوسط.

النظر إلى سجل التدخلات الإيرانية في المنطقة يكشف بوضوح طبيعة هذا الدور. ففي العراق، استثمر النظام الإيراني في تشكيل ودعم ميليشيات متعددة، ما أدى إلى تعقيد المشهد السياسي والأمني هناك. وفي لبنان، حصل حزب الله على دعم عسكري ومالي كبير مكّنه من التحول إلى قوة تتجاوز في نفوذها مؤسسات الدولة، وصولاً إلى التأثير العميق في القرار السياسي اللبناني، في ظل أحداث دامية شهدها البلد عبر السنوات الماضية. أما في سوريا، فقد كان الدعم الإيراني لنظام بشار الأسد أحد العوامل التي أطالت أمد الصراع وساهمت في مآسٍ إنسانية كبيرة دفع ثمنها الشعب السوري.

وفي اليمن، لعب الدعم الإيراني للحوثيين دوراً محورياً في تحويل هذا الصراع إلى تهديد مباشر لأمن الخليج العربي، حيث شهدت المنطقة إطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه السعودية، في تطور خطير أدخل المنطقة في مرحلة جديدة من التصعيد. كما لم تتردد هذه الجماعة في استهداف حتى مكة المكرمة، في تصرف يعكس مدى خطورة هذا المسار. يضاف إلى ذلك استمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، في تحدٍّ واضح للقانون الدولي ولحقوق دولة الإمارات العربية المتحدة.

أما البحرين، فقد كانت أيضاً هدفاً لمحاولات مستمرة لزعزعة الاستقرار عبر دعم خلايا وعناصر مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. ولم تتوقف هذه المحاولات عند حدود العمل السري، بل وصلت أحياناً إلى تصريحات رسمية مستفزة حاولت التشكيك في سيادة البحرين أو تصويرها وكأنها جزء من مشروع سياسي خارجي، وهو أمر لا يمكن قبوله أو السكوت عنه. كما امتدت التدخلات الإيرانية لتطال دولاً خليجية أخرى مثل الكويت وقطر وسلطنة عُمان، في إطار سياسة تقوم على توسيع النفوذ بأي وسيلة ممكنة.

كل هذه الوقائع تجعل من الصعب الحديث عن إيران باعتبارها جاراً طبيعياً يسعى إلى التعايش مع محيطه. فالسلوك السياسي والعسكري الذي انتهجه النظام الإيراني طوال العقود الماضية يشير إلى مشروع يقوم على توسيع النفوذ وفرض الهيمنة، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار الدول الأخرى وأمن شعوبها.

وفي ظل هذه المعطيات، يصبح من غير المقبول أن يظهر بين أبناء المنطقة من يحاول تبرير أفعال هذا النظام أو التقليل من خطورتها. فاللحظة التي تتعرض فيها الأوطان للتهديد المباشر هي لحظة اختبار حقيقية للانتماء والولاء. ولا يمكن لأي مجتمع أن يتسامح مع مواقف تبرر الاعتداء على أرضه أو تبرئ من يستهدف أمنه.

وللحديث بقية..