حين يأمر حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، تسمية هذا العام «عام عيسى الكبير»، لا يكون ذلك مجرد استذكارٍ تاريخي أو احتفاء بصاحب مكانة ماضية، بل هو أيضاً إعلانٌ ينبثق من عمق الوفاء الوطني، وتجديد عهد مع جذور البحرين التي تشكلت في زمنٍ حمل فيه قائدٌ حكيم راية البناء، وصنع من رحم التحديات أسس النهضة الحديثة، هو إشراقة تضيء دروب الحاضر، وتُبلور رؤى المستقبل، وتُعيد صياغة العلاقة بين التاريخ والحياة المعاصرة.

في الأعوام الممتدة بين 1869 و1932، كتب صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، طيب الله ثراه، ملحمة حكمة وقيادة، ليست مجرد زمن حكم، بل مرحلة تأسيس دؤوب لدولة حديثة، إذ أسس لبنيان من الاستقرار، وشيد مؤسسات قانونية مدنية، رفع من خلالها صوت العدالة، وأرسى قواعد الإدارة الرشيدة في زمن كان يشهد تقلبات إقليمية ودولية معقدة، كان «عيسى الكبير» نموذجاً لقائدٍ يحنو على وطنه كعائلة واحدة، يتنفس هموم شعبه ويبني صرحه من عمق الوعي بأن النهضة لا تُبنى إلا على أرض صلبة من الحكمة والرؤية الثاقبة.

الرسالة الملكية في تسمية هذا العام تأخذنا إلى ما هو أبعد من التكريم، فهي تجسّد رؤية ملكية متزنة تربط بين ما تحقق وما يُرتقب، تُذكرنا بأن ازدهار البحرين اليوم هو امتدادٌ لنهجٍ وطني راسخ، تستند فيه التنمية إلى صلابة الإرث ومتانة الجذور، وتتابع مسيرة البناء التي قادها جلالة الملك المعظم، وبمتابعة مستمرة من ولي العهد صاحب السمو الملكي، في مشروع يضع التنمية الشاملة على قمة الأولويات.

ومن اللافت أن البحرين لم تترك هذا الرابط بين الماضي والحاضر مقتصراً على النصوص الرسمية، بل جسّدته في نبض الحياة اليومية من خلال البرامج التراثية العريقة، مثل «ليالي المحرق» ورهوى المنامة» و«القرية التراثية»، فهذه الاحتفالات ليست عرضاً سطحياً للتراث، بل هي جسورٌ تعبر عليها الأجيال لتلتقي، وتُرسخ اللحمة الاجتماعية التي تُعد النواة الحقيقية للاستقرار، فالأسرة، وروابط المحبة، وصلات الرحم هي ذلك النسج المتين الذي يحمي النسيج الوطني، ويصنع من البحرين مجتمعاً متماسكاً يواجه كل تحديات العصر.

ومن منظور آخر، يحمل «عام عيسى الكبير» تأملاً عميقاً في جوهر الزمن الوطني، وفي كيفية نسج علاقة حيّة بين الأجيال، يُمدُّ فيها الماضي بالقوة، ويتغذى الحاضر بالحكمة، وينطلق المستقبل بروح مبتكرة لا تنسى أصولها، هذا العام هو دعوة مستمرة للتجديد والابتكار، للتماسك والتطور، بعيداً عن الجمود والتكرار، ليكون نهج القيادة نموذجاً يُحتذى في عالم سريع التغير.

كما أرى أن في هذه التسمية أكثر من احتفال، بل هي موقفٌ يُؤكد أن النهضة لا تتجزأ بين سياسات وإرث، بين حاضر ومستقبل، بل هي نسيج متكامل متماسك، تُبنى فيه الدولة على قيم ثابتة، تستمد منها قوتها لاستيعاب متطلبات العصر الحديث، هي أيضاً دعوة لكل مواطن ومسؤول للحفاظ على هذا الإرث، والعمل معاً لبناء وطن متجدّد، مستدام، يتألق في سماء المنطقة.

ومنها أن «عام عيسى الكبير» هو رمزٌ لوعيٍ جماعي، يضيء دروب الحاضر بوهج الماضي، ويرسم مستقبلاً واعداً تستمد فيه البحرين قوتها من جذورها، وتواصل مسيرتها بثقة وحكمة، بعيون مفتوحة على الإبداع والابتكار، وقلب ينبض بالولاء والانتماء، وهكذا، يتحول التاريخ إلى نبض حاضر، والحاضر إلى وعد غدٍ يليق بهذا الوطن وأبنائه.

* إعلامية وباحثة أكاديمية