ليست كل الاضطرابات صاخبة. بعضُها يتسلل بهدوء إلى وعي المجتمعات، فيعيد تشكيل مفاهيمها عن الإنسان والدولة والمعنى. والعالم اليوم لا يمر بأزمة عابرة، بل يعيش تحوّلاً عميقاً في موازين القوة، وفي طبيعة الاقتصاد، وفي علاقة الفرد بالمؤسسات. الاستقطاب يتصاعد، الثقة تتآكل، والتكنولوجيا تعيد تعريف ما هو إنساني.
في مثل هذا المناخ، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كيف نحمي الحدود؟ بل: كيف نحمي الداخل؟الأمن، في صيغته التقليدية، يرتبط بالردع والتوازن. وفي صيغته الحديثة، يتصل بالغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد. غير أن التجارب التاريخية تثبت أن المجتمعات قد تمتلك كل أدوات القوة، لكنها تنهار حين يضعف تماسكها الداخلي. هنا يبرز مفهوم يمكن تسميته بـ ”الأمن القيمي“؛ وهو ليس مفهوماً وعظياً، بل ركيزة استراتيجية للاستقرار.
رمضان، في جوهره، فريضة لإعادة ضبط الإنسان من الداخل. فالصوم ليس امتناعاً عن الطعام بقدر ما هو تهذيب للرغبة، وتربية على تأجيل الإشباع، وتقديم للمعنى على الاندفاع. وفي زمن تُدار فيه القرارات ـ أحيانًا ـ تحت ضغط اللحظة الرقمية والانفعال الجمعي، يذكّرنا الصيام بأن الاتزان فضيلة استراتيجية قبل أن يكون فضيلة أخلاقية.
- الأمن القيمي يقوم على ثلاث دعائم:أولاً: ضبط الذات. فالمجتمع الذي يتعلم أفراده إدارة رغباتهم، يكون أقدر على إدارة خلافاتهم.ثانياً: تجديد المعنى. إذ لا يمكن لأي مشروع وطني أن يستمر إذا فقد الإنسان إحساسه بالغاية.ثالثاً: تعزيز التضامن. فالتكافل في رمضان ليس نشاطاً موسمياً، بل تجسيداً عملياً لفكرة المسؤولية المشتركة.
ومن منظور وطني، يشكّل رمضان فرصة لتعميق القيم الجامعة التي تحمي المجتمعات المتنوعة من الانقسام. حين تجتمع الأسر على مائدة واحدة، وحين تتسع موائد الخير للجميع، تتعزز رسالة مفادها أن التماسك ليس شعاراً، بل ممارسة يومية. وهذا التماسك هو خط الدفاع الأول في منطقة تعجّ بالتحديات والتحولات.
إن الاستقرار لا يُبنى فقط عبر القوانين، بل عبر ثقافة عامة تؤمن بالاعتدال والرحمة والانضباط. ورمضان يعيد تذكير المجتمع بهذه القيم بطريقة عملية ومنتظمة. إنه يعيد تعريف القوة: فالقوي ليس من يفرض إرادته، بل من يملك السيطرة عليها.في عالم يتسارع إلى حد يفقد معه الإنسان بوصلته، يشكّل رمضان لحظة توقف واعية؛ ليس انسحاباً من الواقع، بل استعداداً أعمق للتعامل معه. فالمجتمعات التي تحسن إعادة شحن رصيدها الأخلاقي، تكون أقدر على مواجهة العواصف السياسية والاقتصادية بثبات.
حجر الزاويةإذا كانت الدول تبني أمنها بالمؤسسات، فإنها تحفظ استقرارها ببناء الإنسان. ورمضان ليس فريضة عابرة في التقويم، بل آلية حضارية لإعادة ترميم الضمير الجمعي. في زمن التحولات الكبرى، يصبح الأمن القيمي حجر الزاوية في معادلة البقاء؛ فالدول التي تهمل بناء الداخل، ستجد نفسها مضطرة إلى ترميم الاستقرار من الخارج بتكلفة أعلى ونتائج أقل دواماً.